السبت، 16 مايو، 2015

السعوديون الشيعة بين الإصلاح وداعش

 
 
 
السعوديون الشيعة أصبحوا هدفا فعليا معلنا للتنظيمات التكفيرية، ففي عام 2004م خطط تنظيم القاعدة لاغتيال الشخصية الشيعية الأبرز في السعودية الشيخ حسن الصفار، مما جعل وزارة الداخلية تقوم ببعض الاحتياطات الأمنية لعدم وقوع الحادثة وإبلاغ الشيخ الصفار عن وجود هذا المخطط لكي يأخذ الحيطة والحذر، وتم إفشال العملية والقبض على الخلية، وتم تحويلهم للمحاكمة ونشرت الصحافة السعودية عن هذا المخطط والذي كان يستهدف إثارة الفتنة السنية الشيعية في السعودية.
 
ومما نقلته صحيفة الرياض في العدد (15807) بتاريخ 4 أكتوبر2011م: “أعلنت ولأول مرة في الرياض أمس عن مخططات خطيرة الأهداف والنوايا كانت أجهزة الأمن قد أجهضتها مسبقا والقبض على عناصرها الـ (17) حيث خططت هذه الخلية بإيعاز من (أبو وليد) المتواجد في سوريا لاغتيال شخصية اجتماعية معروفة تنتمي للمذهب الشيعي في المملكة بهدف إثارة الشيعة في المملكة والدفع بهم للقيام بعمليات انتقامية مما يشتت جهود رجال الأمن -وفق تخطيط واعتقاد عناصر هذه الخلية- عن ملاحقتهم وكذلك لخلق “فتنة” داخل المملكة وجبهة جديدة للأجهزة الأمنية حتى يستطيعوا بعدها التحرك بسهولة وتنفيذ مخططاتهم الإرهابية داخل المملكة كما يريدون. وتشير المعلومات حول هذا المخطط “الخبيث” أن مخطط الاغتيال كان في مراحله الأخيرة وقد تولى العملية المتهم الـ 14 في الخلية وتم تبريرها بأن هذه الشخصية الشيعية السعودية تدعم المليشيات الشيعية في العراق ضد أهل السنة -بزعمهم- وأنه على علاقة بحزب الله اللبناني وقد قام هذا المتهم بجمع معلومات دقيقة عن هذه الشخصية وتحركاتها كما قام بالاتصال بمكتبه وجمع بعض المعلومات بحجة وجود زوار يريدون مقابلته، ثم قام هذا الشخص برسم مخطط الاغتيال وتحميله على c.d وإرساله مع مخطط عملية اخرى لأبي وليد في سوريا”.
 
وفي فبراير 2014، نشرت الحكومة الأمريكية عددا من الوثائق التي كانت بحوزة أسامة بن لادن، وفي إحدى الوثائق التي كانت مرسلة من عطية (ربما المقصود القيادي البازر في تنظيم القاعدة جمال إبراهيم اشيتيوي الملقب بالشيخ عطية الليبي) إلى أسامة بن لادن ومما ورد فيها: “بالنسبة للكلام عن الرافضة وخطرهم والخطر الإيراني الصفوي المجوسي، فكلامك الذي أرسلتموه طيب ونحن بصدد إرساله لبعض أهل العلم كما اقترحتم، فأما حامد العلي فأمره سهل وبإمكاننا إرساله له بسهولة بحول الله، لكن نخطط لإرساله إلى جماعة آخرين، والله المولى. طبعا بالنسبة لحامد العلي، فهو ومن حوله كما يقال (لا توصي يتيم على بكاء) فهم مهتمون بأمر الرافضة وخطرهم اهتماما كبيرا ومبالغون فيهم حتى، فقد كانوا يكتبون لنا ويلوموننا على أننا مقصرون في الشأن الرافضي وتصور الخطر الرافضي الإيراني وما شابه، وكانون يقولون: الخطر الرافضي أشد من الخطر الأمريكي”. وكانت هذه الرسالة بتاريخ 11 يونيو 2009م.
 
وفي العاشر من نوفمبر لعام 2009، أصدرت مؤسسة الملاحم للإنتاج الإعلامي التابع لتنظيم القاعدة تسجيلا صوتيا للقيادي محمد عبد الرحمن الراشد بعنوان “إني لكم ناصح أمين” وتطرق إلى الأولويات القتالية للتنظيم وكانت كالتالي: أمريكا وحلف شمال الأطلسي أولا، ومن ثم الشيعة، وأخيرا الحكام الطغاة.
 
وأخيرا أصدرت مؤسسة الفرقان للإنتاج الإعلامي التابع للدولة الإسلامية تسجيلا صوتيا لزعيم التنظيم أبي بكر البغدادي في 13 نوفمبر 2014م بعنوان “ولو كره الكافرون” ومما ذكره: “يا أبناء الحرمين يا أهل التوحيد يا أهل الولاء والبراء، إنما عندكم رأس الأفعة ومعقل الداء، ألا فلتسلوا سيوفكم ولتكسروا أغمادكم، ألا فلتطلقوا الدنيا.. سلوا سيوفكم وعليكم أولا بالرافضة حيثما وجدتموهم ثم عليكم بآل سعود وجنودهم قبل الصلبيين وقواعدهم، عليكم بالرافضة وآل سعود وجنودهم، مزقوهم إربا، وتخطفوهم زرافات ووحدانا، نغصوا عليهم عيشهم وأشغلوهم عنا بأنفسهم واصبروا ولا تتعجلوا وعما قريب تصلكم طلائع الدولة الإسلامية”.
 
السعوديون الشيعة 
 
حدد البغدادي زعيم الدولة الإسلامية الاستراتيجية القتالية بأن الأولوية هي قتل الشيعة، ولكون السعودية أهم دولة مستهدفة والتي أشار إليها البغدادي في خطابه الأخير، إضافة لذلك فالمقاتلون السعوديون يأتون في المرتبة الثانية من حيث العدد بناء على ما أورده المركز الدولي لدراسة التطرف والعنف السياسي في سبتمبر 2014م، حيث أظهر أن عدد المقاتلين السعوديين في سوريا والعراق يبلغ حوالي 2500 وهذا يعكس وجود حاضنة مؤيدة لداعش في أوساط السعوديين، وأن هناك أشخاصا لديهم القابلية للقيام بأفعال عدائية في الداخل السعودي.
 
وهو الأمر الذي ظهر جليا خلال جريمة الدالوة بالأحساء التي حدثت مساء يوم الاثنين الموافق 3 نوفمبر 2014م حينما قام ثلاثة ملثمون بإطلاق الرصاص على مواطنين شيعة حين خروجهم من تأدية مراسم عاشوراء في حسينية المصطفى؛ مما أدى إلى مقتل 7 أشخاص وجرح 9 أشخاص بالإضافة إلى قتل مواطن شيعي آخر قبل العملية وحرقه بمادة الأسيد واستخدام سيارته للقيام بالعملية، وبذلك يكون المجموع 8 قتلى، ولولا قيام المواطنين بإغلاق باب الحسينية -حيث كان هدف الملثمين اقتحام الحسينية- لتحولت حادثة الأحساء إلى مجزرة بقتل ما لا يقل عن 40 شخصا كانوا متواجدين داخل الحسينية.
 
وزارة الداخلية السعودية أعلنت القبض على 77 شخصا في 10 مدن سعودية لهم علاقة بما جرى في الدالوة، وخلال عملية المداهمات التي قامت بها الداخلية قتل اثنان من رجال الأمن وجرح شخصان، في المقابل قتل ثلاثة من خلية الأحساء في القصيم (سعوديان وقطري) وجرح شخص، وأكثر القرائن تشير إلى أن جريمة الدالوة يقف خلفها تنظيم داعش رغم عدم تبني أي فصيل جهادي للعملية بالنظر إلى أن 48 شخصا لهم سوابق بالارتباط بتنظيم القاعدة وتم سجنهم على إثر ذلك، وأن رأس الخلية  تلقى الأوامر من الخارج وحدد له الهدف والمستهدفين ووقت التنفيذ والنص على أن يكون التنفيذ في منطقة الأحساء. وأحد الأشخاص من السعوديين الذين سافروا إلى العراق وسوريا ومن ثم تسلل مجددا للسعودية، بالإضافة أن عدد السعوديين الذين التحقوا بالقاعدة في اليمن قليل جدا مقارنة بالأشخاص الذين ذهبوا للقتال في سوريا والعراق تحت راية داعش خلال الأعوام الثلاثة الماضية.
 
وأخيرا، خطاب البغدادي الذي يتضح جليا أن ما ذكره في الخطاب من استهداف الشيعة في السعودية، والأسرة الحاكمة في السعودية ينسجم مع جريمة الدالوة مع ملاحظة أن جرائم الدولة الإسلامية ابتداء من إعلان الدولة الإسلامية في العراق عام 2006 ومرورا بالدولة الإسلامية في العراق وسوريا عام 2013 وأخيرا الدولة الإسلامية في عام 2014، كان لهذه المنظمة الدور الأكبر بالقيام بمئات العمليات المماثلة بقتل الشيعة في الأسواق والحسينيات ومواكب العزاء في العراق.
 
العدد الكبير من الموقوفين يظهر أن داعش لهم مخطط أكبر في عمليات متنوعة ضد الشيعة في السعودية، وهو ما يمكن أن يحصل لكي يثبت التنظيم أنه قوي وقادر على الوصول إلى أهدافه وأن البغدادي إذا قال فعل، وبالتأكيد هذا العدد الكبير من الخلية لا يعني انتهاء كل شيء كون الحركات الجهادية تتكون من خلايا منفصلة وليس بينهما ارتباط أفقي.
 
مواجهة داعش
 
ثلاثة عوامل أساسية يمكن أن تساهم في تقليل المخاطر التي يمكن أن تواجهها الأقلية الشيعية في السعودية من قبل تنظيم الدولة الإسلامية:
 
العامل الحكومي 
 
يحدد الدكتور توفيق السيف في كتابه “أن تكون شيعيا في السعودية” الصادر عام 2013 م “أن المشكل الرئيس للشيعة السعوديين هو التمييز الطائفي وأن مطلبهم الرئيس هو المساواة على قاعدة المواطنة”.
 
هذا يندرج كما هو واضح ضمن المطلب العام للإصلاحيين على المستوى الوطني، لكن -من ناحية أخرى-، فإن عدم إقرار الدولة بالوجود القانوني للشيعة كأقلية لها حاجات متمايزة عن بقية السعوديين، أوجد ظروفا تستدعي النظر في هذه المسألة كموضوع قائم بذاته. السعوديون ككل، حكومة وشعبا، بحاجة إلى استيعاب التحديات المنبعثة من وجود أطياف متعددة في المجتمع الوطني، تتمايز ثقافيا أو تاريخيا أو مذهبيا، من هذا الهدف كان لما يطلق عليه تيار الإصلاح الوطني وهي المعارضة الشيعية التي رجعت إلى السعودية عام 1993م بعد عمل معارض استمر 13 سنة في الخارج، فمنذ رجوعهم إلى السعودية قاموا بمئات اللقاءات والاجتماعات مع عدد من المسؤولين والأمراء والفعاليات الثقافية المختلفة لمحاولة تجسير العلاقة بين الشيعة والسنة، وبين الشيعة والحكومة؛ وذلك لخلق حالة من الثقة والإجابة عن حالة القلق التي دائما ما تكون حاضرة في الأذهان عن الشيعة، وأنتجت هذه التحركات وثيقة مهمة بعنوان “اندماج الشيعة في الإطار السياسي الوطني – برنامج عمل لمعالجة التمييز الطائفي”، وهي خلاصة لتجربة 15 عاما من النقاشات وتم تقديم هذا المشروع إلى ولي العهد الأمير سلطان بن عبد العزيز وعدد من الأمراء وكانت النتيجة “مخيبة للامال” كما يحكي ذلك توفيق السيف بالقول: “كما تكثقت اللقاءات مع قادة الدولة ومدراء الأجهزة الحكومية، إلا أن الأمور سرعان ما اتجهت إلى الجمود، وبلغت خيبة الأمل أقصاها في أوائل 2009 م”.
 
جريمة الدالوة فرصة أن تمد الحكومة يدها للمواطنين الشيعة الذين ينتظرون هذه اللحظة لكي تقوم الحكومة بواجبها لتحقيق المساواة بين جميع المواطنين والبدء في خطوات عملية في هذا الإطار؛ فإزالة الشعور المتأصل عند الشيعة أنهم مواطنون من الدرجة الثانية وأن كثيرا من الفرص لا يمكنهم الوصول لها،بالإضافة إلى الكم الهائل من التحريض الطائفي ضدهم سواء بالتكفير أو دعوات القتل من بعض المتطرفين السعوديين في الشبكات الاجتماعية والمحاضرات والإعلام الجديد والمرئي والمكتوب، وكل هذا تحت نظر السلطة ولم تتم معاقبة أي شخص قام بذلك هو أمر يدعو للتساؤل؛ وهو الأمر الذي أثاره عدد من الكتاب حول قناة وصال والتي كان وما زال لها دور كبير في التحريض الطائفي ضد الشيعة في السعودية يصل إلى التهديد والوعيد.
 
ولكن رغم ذلك، لا زال مكتبها في السعودية يعمل ويحصل على التبرعات المالية بعشرات الملايين من جيوب السعوديين، وبقاء مثل هذه العوامل تشكل بمجموعها مصدر قلق على الاستقرار، إن لم يتم التعامل معها بجدية بعيدا عن اللعب على وتر الطائفية السياسية التي تخلق بيئة للمتطرفين والجهاديين ونكون أمام منحنى خطير من الإرهاب الذي بدأ يستهدف المواطن السعودي الشيعي قبل كل شيء.
 
وأفضل طريقة لمواجهة الارهاب هو الإصلاح، وفي الجانب الشيعي يمكن الاسترشاد بوثيقة شركاء في الوطن التي قدمت في عام 2003م حينما كان خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز وليا للعهد، ومشروع الاندماج الوطني للسعوديين الشيعة، وتطبيق ما جاء فيهما يتلاءم مع المخرجات البحثية في توصيات الدول التي لديها أقليات. في تقرير قدم عام 2012م إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة ويدعو فيه الحكومات إلى “إحداث تغيير إيجابي لصالح الأقليات المحرومة من خلال اهتمام المؤسسات اهتمامـا كافيـا بحقوق تلك الأقليات واعتماد إطار سياسي لمعالجة قضايا الأقليات. ويمثـل اهتمـام المؤسسات الحكومية بحقوق الأقليات خطوة منطقية للانتقال من مرحلة وضع التشريعات إلى مرحلـة اتخاذ إجراءات ملموسة لحماية حقوق الأقليات وتعزيزها. وأن تنظر الدول إلى الاهتمام المؤسسي بحقوق الأقليات باعتباره التزاما في مجال الحوكمـة الرشيدة وعنصرا أساسيا في التزامات الدول المتعلقة بحقوق الإنسان والمساواة وعدم التمييز”.
 
والبدء بتنفيذ ما ورد فيهما سيساهم بالتأكيد بخلق مناخ ملائم ورسالة قوية إلى كل من يحاول أن يلعب على وتر النزاعات الطائفية في السعودية، وهذه المسؤولية تقع على كاهل الحكومة كونها “تسيطر فعليا على مسارات التوجيه العام، بما فيها نظام التعليم والإعلام والاقتصاد وتوزيع الموارد والمنافع العامة”، كما يرى توفيق السيف.
 
ضمن المسألة الحكومية، يبرز عنصر القضاء وآخرها هو الحكم الذي أصدره أحد القضاة في محكمة الخبر الجزائية يوم الاثنين الموافق 3 نوفمبر 2014 م ضد الناشط الحقوقي البارز مخلف الشمري بالسجن سنتين والجلد 200 جلدة بناء على تواصل الشمري مع المواطنين الشيعة في السعودية حيث أورد القاضي في الحكم أن الحكم بناء على “مجالسته للشيعة ومواساته لهم والاجتماع معهم”، بالإضافة إلى التغريدة التي كتبها في تويتر ودعا فيها الشمري إلى التسامح بالقول: “لإيماني برسالة التعايش بين أطياف المجتمع والتسامح بين المسلمين سأصلي صلاة الجمعة 21 رجب في مسجد الحمزة بسيهات بإمامة السيد حسن النمر”.
 
وهذا الحكم يذكرني بالحكم الذي صدر من قبل أحد القضاة في محكمة القطيف الجزائية بتاريخ 15 أكتوبر 2012م ضد إحدى المواطنات من القطيف، كونها قامت بارسال رسالة إلى رقم جوال بالخطأ تتضمن أرقام هواتف للاستفتاءات الشرعية، فاعتبر القاضي أن هذه الرسالة دعوة للتشيع، وبالتالي أصدر عليها حكما جائرا. والمشكلة الأكبر في التسبيب الذي ذكره القاضي في الحكم مما يعكس نظرته للمواطنين الشيعة، فجعل الشيعة في النار حينما استشهد بالتالي: “من الأدلة النقلية على ذم البدع وفاعليها قول الله تعال ى( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيما فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، ففي هذه الآية أمر سبحانه عباده باتباع صراطه وهو دينه الذي ارتضاه لعباده هذا الصراط الذي أخبر عنه بأنه مستقيما أي قويما لا اعوجاج به عن الحق، ثم نهاهم أن يسلكوا طريقا سواه أو يبغوا دينا خلافه من اليهودية أو النصرانية أو المجوسية أو عبادة الأوثان، أو غير ذلك من الملل فإنها بدع وضلالات. وقد فسر مجاهد رحمه الله السبل بأنها البدع والشبهات. ثم ذكر سبحانه علة النهي عن اتباع السبل وهي أنها تبعدهم عن دينه الذي ارتضاه لهم مما ينجم عنه هلاكهم ودخولهم النار”.
 
وكان من الحكمة اتخاذ أمير المنطقة الشرقية سعود بن نايف قرارا بعدم تنفيذ الحكم وإصدار عفو لما فيه من تعد سافر واتهام للمواطنين الشيعة، وقضية مخلف الشمري فضيحة فعندما يكون القاضي المؤتمن على الشرع يرى أن مجالسة الشيعة مخالفة لتعاليم ولاة الأمر، لذا نحن أمام أزمة خطيرة حينما تتواجد لبعض القضاة توجهات شاذة وفهم خاطئ للنظام الأساسي للحكم ولفكرة العدالة، فيقومون بتأويل كل شيء كي يتناسب مع الأفكار الرجعية -والمناهضة للشيعة- التي في عقولهم، ونتأمل أن تسقط هذه التهم الموجهة لمخلف في أسرع وقت ممكن.
 
 العامل السلفي 
 
دائما تتخوف الأقلية من الأكثرية، ولكن في السعودية الشحن الطائفي من رموز التيار السلفي المتشدد ضد الشيعة يصل إلى درجة القطيعة مع مكون أساسي في المجتمع السعودي يصل إلى 15% من عدد المواطنين السعوديين. السلفيون دائما يقفون حجر عثرة أمام أي تقدم في العلاقة بين الشيعة والحكومة أو على مستوى العلاقة الأفقية بين الشيعة وبقية مكونات الوطن، ويذكر الشيخ حسن الصفار في كتابه (السلفيون والشيعة نحو علاقة أفضل) أن: “بعض البؤر الساخنة على خط الخلاف السني الشيعي، أربكت هذه المسيرة، وأضعفت حركتها، وفي طليعة هذه البؤر: التشنج القائم في العلاقة بين السلفيين والشيعة.
 
فالمدرسة السلفية تمثل تيارا نشطا في أوساط أهل السنة، تتوفر له أضخم الإمكانيات، وإن لم يكن هو الأوسع رقعة، والأكثر أتباعا بين سائر التيارات السنية”.. ففي يوليو 2003م انتفض السلفيون في السعودية لأجل صورة جمعت الشيخ سلمان العودة مع الشيخ حسن الصفار، فتم التشنيع على العودة ووصفه بأقبح الألفاظ البذئية وهكذا توالت هجمات التيار السلفي بشكل مكثف على وثيقة شركاء في الوطن، وعلى جميع الشخصيات السلفية التي حاولت أن تخرج من العباءة السلفية التي تنادي بالقطيعة مع الشيعة وعزلهم وتجاسرت فقامت بزيارة القطيف، هذه الحملات السلفية أدت إلى خلق عزلة بين أبناء الوطن على المستوى النفسي والاجتماعي. يأخذ شكل التحريض ضد الشيعة مسارات متعددة ويستغل الخلاف السياسي بين السعودية وإيران في إشعال الحروب الطائفية والفرقة بين المسلمين بالإشارة إلى خطر الشيعة أو الروافض على الأمة ووصفهم بالكفر أو الخيانة فضلا عن إثارة الأكاذيب العقدية ونبش التاريخ لعمل جدار برلين بين السنة والشيعة في السعودية.
 
وفي جريمة الدالوة بين ليلة وضحاها أصبحت قيادات التيار السلفي كالحرباء فقاموا بتغيير لغتهم الطائفية وتحولوا إلى الاعتدال (التقية السلفية)، وهو ما جعل بعض المغردين يضع بعض تغريدات السلفيين قبل جريمة الدالوة وبعدها لإظهار التناقض الجلي.
السلفيون المتشددون يقفون ضد التسامح المذهبي، بل كل رأي يختلف معهم ولو كان من المذهب السني، والبوصلة اليوم متوجهة نحوهم في تغيير سلوكهم الذي لم ينتج عنه إلا دمار الأوطان، فعليهم إعادة التفكير مليا في مآلات أفعالهم وأقوالهم وأن تكون حركتهم مع سنن التاريخ، وأن يعتبروا من تشويه الإسلام بوعي أو بدون وعي، ونرى يوما بعد يوم كيف أن الحركات التكفيرية والجهادية تتشرب من أفكار بعض المنتسبين لهم، وأصبحوا السعوديون مصدرا سهلا للتجنيد كونهم متشبعين فكريا وجاهزين نفسيا، فلم يبق إلا تنشيط ذلك على الواقع العملي. فأصبح السعوديون يتصدرون الغزوات والحروب والعمليات الانتحارية وعمليات القتل في داخل وخارج السعودية.
 
العامل الشيعي 
 
ينظر السعوديون الشيعة اليوم إلى الأفعال لا الأقوال، والكلام الحسن والجميل مطلوب لما فيه من راحة للنفوس وهو ما كان طوال العقود الماضية مما خلق أملا بأن يحدث تغيير على المستوى السياسي والاجتماعي خلال السنوات الماضية. ولكن خيبة الأمل كانت هي السائدة بحيث أصبحت الشخصيات الشيعية التي كان لها دور محوري في بناء جسور التواصل بين الشيعة والحكومة وعلى رأسهم الشيخ حسن الصفار والدكتور توفيق السيف تفاؤلهم أقل من السابق مع الحفاظ على المبادئ الوطنية الراسخة في تعزيز الاستقرار، بل كانا من أوائل المبادرين عندما يهدد الوطن أي خطر، إلا أنه في المقابل تشن الصحافة السعودية حملة ضد الشيخ حسن استمرت عاما ونيف ابتداء من فبراير 2012 إلى أغسطس 2013، ولكن الصفار صمت أمام تلك الهجمات وواصل مسيرته الإصلاحية وترفع عن الدخول في نقاشات عقيمة.
القائد الشيعي الأبرز في السعودية الشيخ حسن الصفار
منذ عقدين من الزمن يحذر من خطر التيارات التكفيرية، وعمل جاهدا لتحصين الوحدة الوطنية منذ 1993م، حيث سعى بالتواصل مع مجموعة من العلماء السنة والأمراء السعوديين لعمل وثيقة للتعايش بين الشيعة والسنة في السعودية ومن أبرز بنود هذه الوثيقة “الإقرار بجامعية الإسلام لكل أبنائه فلا يكفر أحد أحدا ولا يشكك أحد في دين الآخر، فكلنا مسلمون نتوجه الى قبلة واحدة ويدان أي كلام تكفيري يشكك في دين الآخر.
 
تعزيز الاحترام المتبادل بين الطرفين وإدانة وتجريم أي إساءة من أي طرف للطرف الآخر، تعزيز المساواة بين المواطنين ومواجهة حالات التمييز على أساس مذهبي وطائفي، اعتماد نهج الحوار في قضايا الخلاف والتعاون في سبيل خدمة المصالح المشتركة لأمن البلاد ووحدة الأمة”. ولكن هذه الوثيقة لأسباب مختلفة، أجهضت بعد أن كانت قاب قوسين أو أدنى أن توقع من علماء ومثقفين سنة وشيعة.
وحينما تعرض الوطن لحربين الأولى عام 1990م حينما احتل صدام حسين الكويت وأجزاء من السعودية، أصدر الصفار بيانه الشهير بإيقاف عمل المعارضة الشيعية في الخارج ودعوة جميع الشيعة للتطوع للدفاع عن الوطن، وفي عام 2009 حينما حدثت اشتباكات في الجنوب بين القوات السعودية والحوثيين أصدر الصفار بيانا ذكر فيه: “لا يسعني كمواطن إلا ان أقف مع وطني في وجه أي عدوان على أي شبر من أراضيه من أي جهة كان ذلك العدوان، من هؤلاء المتسللين أو سواهم”. وطالب الإعلام والمنابر الدينية “بالترفع عن استخدام اللغة الطائفية، فذلك مضر بالمصلحة العامة للأمة، وخاصة في الظروف الحساسة”.
 
وفي التاسع من سبتبمر لعام 2014 أصدر الصفار بيانا يندد فيه بالإرهاب جاء فيه “إن تنامي قوة التنظيمات الإرهابية وفرضها لوجودها في أكثر من بقعة ومكان، وحيازتها لإمكانيات ضخمة، واستمرار قدرتها على الاستقطاب وتغرير المزيد من أبناء الأمة وشبابها، يشكّل أكبر تحدٍ وأعظم خطر يواجه الدين والأمة في هذا العصر. ولا يمكن مواجهة هذا الخطر الداهم إلا بإعلان حالة طوارئ قصوى على مختلف الصعد وكافة الميادين السياسية والثقافية والاجتماعية.
 
وبتضافر جهود الحكومات والقيادات الدينية على تنوع مذاهبها ورجال المعرفة والفكر؛ لأن الإرهاب خطر على وجود الأمة وتهديد لمستقبل الأوطان والسلم العالمي. من هنا تأتي أهمية نداء خادم الحرمين الشريفين للأمة ولكل العالم للوقوف أمام هذا الخطر الزاحف. ولا بد من ترجمة هذا النداء بخطط وبرامج فورية عملية من قبل الحكومات والمؤسسات الدولية والفعاليات الاجتماعية، وأن يتحمل الجميع مسؤولياتهم، ويتجاوزوا كل خلافاتهم لمواجهة هذا الخطر الذي يتهدد الجميع”.
 
إلا أنه رغم المبادرات الشيعية المختلفة، حدث برود في العلاقة بين السياسيين الشيعة والحكومة في الأعوام الثلاثة الماضية، فانقطع التواصل وتوقفت النقاشات السياسية، وأظن الفرصة مؤاتية لإعادة طرح المسألة الشيعية في السعودية والتقدم بمبادرات جديدة وطرق الأبواب من جديد، خصوصا أن الأجواء الوطنية ملائمة لإحداث تغير ولو كان طفيفا خصوصا بعد جريمة الدالوة وهو ما عبر عنه المندوب الدائم للمملكة لدى هيئة الأمم المتحدة المهندس عبد الله المعلمي  في مقال بجريدة المدينة في 10 نوفمبر 2014 بالقول: “ولعل أفضل رد على محاولة إشعال الفتنة يكمن في مزيد من الوحدة، ومن ذلك الاستجابة للمطالبات المشروعة التي يتقدم بها إخواننا في الأحساء والقطيف”.
 
في كل المحطات التأريخية كان الشيعة الحصن المنيع وأثبتوا بعد جريمة الدالوة وقوفهم بمختلف أطيافهم مع الوطن ومنع أي محاولة تمكن أي طرف من اللعب على الوتر الطائفي والدفع بالشيعة نحو التطرف، وهو ما يجب أن ينظر إليه بحكمة من الحكومة لتحقيق المساواة التي أكد عليها النظام الأساسي للحكم في المادة 12: “تعزيز الوحدة الوطنية واجب وتمنع الدولة كل ما يؤدي للفرقة والفتنة والانقسام”. وبالتأكيد، شعور المواطنين بالمساواة والعدل هو أجلى مصاديق الوحدة الوطنية.
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق