الأربعاء، 1 أغسطس، 2012

شيطنة السعوديين الشيعة

لا يمكن الحديث عن الشيعة في السعودية دون ذكر التمييز الطائفي الممنهج الذي يلتصق بهذه الطائفة منذ أكثر من قرن، التمييز الذي كان ولا يزال يؤثر على حياة مليوني شيعي ، حيث يعانون سياسات صارخة لم تكتفِ بإقصائهم وطنيا عبر عزلهم عن كثير من المناصب السياسية الحكومية في الادارات العليا والوسطى، بل ضيقت عليهم فضاء حريتهم الدينية حد الاختناق، فبدءاً بمنع الكتاب الديني من دخول البلاد، وانتهاء بمنع تنفيذ قضاء شيعي مستقل يرجعون إليه للاحتكام في جميع أمورهم وقضاياهم، مرورا بمنع المدارس الدينية، وبناء المساجد الشيعية خارج القطيف والاحساء، بل والمدينة المنورة التي يقطنها أكثر من سبعين ألف مواطن شيعي منذ الفجر الأول للاسلام لازالت تفتقر لمساجد وحسينيات يؤدون فيها شعائرهم الدينية، الأمر الذي دفع المواطنين الشيعة في مناطق مختلفة من المملكة توظيف المساكن لاقامة الشعائر في ظل منع شديد وتضييق أشد تمارسه السلطات للسماح لهم بإنشاء أماكن مخصصة للعبادة.

يحصل ذلك كله رغم ما تفيض به أكواب الثقافة السعودية بالانتاج الشيعي في مختلف المجالات الأدبية والفكرية، إذ لم يشفع ذلك عند وزارة الثقافة والإعلام؛ والتي بقيت متصلبة أمام إعطاء تصاريح للمجلات الفكرية التي يرأس تحريرها شخص شيعي كمجلة (الكلمة)، وهي مجلة فصلية فكرية تناقش قضايا الفكر الإسلامي وقضايا العصر والتجدد الحضاري، وقد صدر منها حتى الآن خمسة وسبعون عددا، ومنذ سنوات يسعى القائمون عليها للحصول على تصريح ويقابل بالرفض في كل مرة، وهو نفس المصير الذي تواجهه مجلات أخرى بذات الأسلوب العنصري، كمجلة (الواحة) وهي مجلة فصلية تعني بشؤون التراث والثقافة والأدب في الخليج العربي ومجلة (الفقاهة) التي تهتم بالدراسات والبحوث الفقهية. 

في ظل هذا الوضع الخانق للأقلام الشيعية، نجد على الصعيد الإعلامي ندرة المشاركات الشيعية في الإعلام المقروء والمسموع، ذاك أنه في الحين الذي تصدر فيه من السعودية يومياً أربعةَ عشر صحيفة، لا تجد عدد الكتاب الشيعة فيها يزيد على خمسةٍ وعشرين كاتباً.

إن تهميش الأقلية الشيعية في مختلف المجالات السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية _ رغم ما تمثله من نسبة كبيرة شرق المملكة_ حرمها من خيرات أرضها التي تقطنها، والتي تعد أغنى منطقة بترولية في السعودية فضلا عن العالم.

لقد دخلت منطقة القطيف والأحساء طواعية تحت كنف الدولة السعودية الثالثة في عام 1913م، وقام الشيعة حينها بمئات الزيارات للملوك السعوديين؛ ابتداء من الملك عبدالعزيز، وصولاً إلى الملك عبدالله بن العزيز، قدموا خلال تلك الزيارات آلاف الخطابات والعرائض عن مظالمهم كأقلية شيعية تعاني غياب المساواة.
ورغم استحسان صانع القرار السعودي لهذا الأسلوب في المناصحة البعيدة عن العلن إلا أن ذلك لم ينعكس على واقع الشيعة ايجاباً؛ فلا زالت المشكلات التي يعاني منها الشيعة تزداد تعقيداً، يضاف لها مشكلات أخرى جديدة أشد تعقيدا، كاتهام الشيعة بولائهم لإيران، وصناعة الكراهية التي يقوم بنشرها بعض السلفيين ضد الشيعة، مما تزيد حالة الاحتقان المذهبي من خلال فرز الناس بناء على مذهبهم وليس على مبدأ المواطنة، خصوصا مع غياب الهوية الجامعة وتجذر الهويات الفرعية في المجتمع السعودي دون قيام الحكومة السعودية بأي دور فاعل في وضع حلول جذرية للمشاكل الاساسية ولعناصر التأزم التي تؤثر على الاستقرار السياسي، ذاك أنها تعيش حالة من الجمود السياسي في معالجة مختلف الملفات السياسية ومنها ملف التمييز الطائفي ضد الشيعة.
الانتفاضة الشيعية :
في عام 1979م خرج الآلاف من الشيعة في مظاهرات سلمية ترفض التمييز الطائفي وتطالب بالعدل والمساواة بين جميع المواطنين، وقد عمت هذه المظاهرات والاحتجاجات جميع قرى القطيف ومدنها، وتم مواجهتها من قبل الحرس الوطني، مما أدى إلى اعتقال المئات وإصابة العشرات وسقوط ما لا يقل عن خمسة عشر قتيلاً .
المعارضة الشيعية في الخارج:
نتيجة ما جرى للمواطنين الشيعة تكونت أول معارضة شيعية في الخارج، وكان من أبرز قياداتها الدينية الشيخ حسن الصفار؛ العالم الشيعي البارز، وكلٌ من الدكتور حمزة الحسن، والدكتور توفيق السيف، والدكتور فؤاد الابراهيم، والدكتور صادق الجبران، والمهندس جعفر الشايب.
وقد لعبت المعارضة الشيعية دورا فعالاً، فكان لديها مكاتب في كلا من ايران وسوريا وبريطانيا وأمريكا، وكانت تقوم بعمل سياسي ضاغط لفضح ما يجري من انتهاكات للمواطنين الشيعة بشكل خاص؛ في الوقت الذي كانت تتطرق للخلل في النظام السياسي. ويذكر روبرت ليسي في كتابه ( المملكة من الداخل ) " كان الشيخ حسن الصفار في صيف 1990م يقود أشرس معارضة واجهها آل سعود حتى ذلك التاريخ ".
من جانب آخر لعبت المعارضة الشيعية في المجال الحقوقي دورا فاعلاً، فمن يرجع لوثائق العديد من المنظمات الحقوقية في حقبة الثمانينيات والتسعينيات يجد أنها تطرقت إلى ما كان يجري على الشيعة في السعودية من اضطهاد. يذكر روبرت ليسي في كتابه السالف الذكر أنه في عام 1990م قام الأمير سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض بزيارة أمريكا وحضور المعرض الدعائي الذي أقامته الحكومة بعنوان ( السعودية بين الأمس واليوم )، وهناك كان متظاهرون سعوديون في استقباله حيث كانوا يرددون شعار " يا سلمان يا سلمان، أين حقوق الإنسان "، مما أنتج حالة معاكسة لما خطط له منظمو المعرض الذي كلف الملايين لتحسين صورة السعودية. 
ورغم القوة التي كانت تتمتع بها المعارضة إلا أنها ساندت الحكومة السعودية في موقف مشرف ، فحينما نشبت حرب الخليج الثانية وغزا صدام حسين دولة الكويت في سبتمر 1990م وفرت السعودية جميع امكانياتها السياسية والعسكرية والمالية والجغرافية لدعم الكويت واستعانت لذلك بقوات التحالف لتحرير الكويت، عندها حاول صدام التقرب من المعارضة الشيعية لتسانده في هجومه على السعودية وذلك بعرض العديد من الاغراءات، إلا أن موقف المعارضة كان حازما ليس فقط بعدم مساندة صدام حسين فقط، بل بتجميد العمل السياسي والاعلامي للمعارضة ، لأن السعودية كانت في حالة حرب تتطلب أن يقف جميع مواطنيها صفاً واحداً لا يمكن له أن يتحقق دون تجميد الخلافات ليتمكن الوطن من مجاوزة الأزمة ، وقبل ذلك قامت المعارضة باغلاق مكاتبها في ايران للحفاظ على الاستقلالية .
موقف المعارضة هذا أرسل رسالة ايجابية للحكومة السعودية مفادها أن المعارضة تتمتع بحس سياسي وأخلاقي عالي المستوى، وقد تأكد لها ذلك بشكل غير متوقع من خلال دعوة زعيم المعارضة الشيخ حسن الصفار المواطنين الشيعية بالالتحاق في صفوف الجيش السعودي لحماية الوطن من أي مخاطر خارجية.
ولقد تعاملت الحكومة السعودية مع هذا الموقف المشرف للمعارضة بعد انتهاء حرب الخليج بشكل ايجابي، حيث بدأت بتجسير العلاقة مع المعارضة والدخول معها في مفاوضات سرية انتهت بمصالحة تمت عام 1993م قامت فيها المعارضة  بحل جميع أطرها التنظيمية وإغلاق مكاتبها في الخارج وعودة جميع المعارضين للمملكة دون أن يتعرضوا لملاحقات أمنية ، على أن تقوم  الحكومة بحل مسألة التمييز الطائفي للمواطنين الشيعة عبر اعترافها بالمذهب الشيعي كمذهب خامس، والسماح بوجود مجلات وجرائد دينية شيعية، كذلك السماح بدخول الكتب الشيعية للدولة، وإنشاء المدارس الدينية، وفتح الجامعات، وتمكين الشيعة في الوظائف المرموقة الحساسة والمؤسسات السياسية والعسكرية للمواطنين الشيعة، بالإضافة إلى الاهتمام العمراني والخدماتي بالمناطق الشيعية.
بعد عشرين عاماً من المصالحة لا يزال المواطنون والقيادات الشيعية يرون عدم تحقق الوعود وتحولها إلى واقع ملموس، وهذا ما شعر به بعض السياسيين الشيعة منذ وقت مبكر وأدى بهم إلى الرجوع مجدداً للعمل المعارض في الخارج أمثال الدكتور حمزة الحسن والدكتور فؤاد الإبراهيم ، بينما راهن آخرون أمثال الشيخ حسن الصفار والدكتور توفيق السيف و المهندس جعفر الشايب على الاصلاح من الداخل عن طريق تعزيز القوى الاجتماعية المحلية وتقوية العلاقة مع مكونات الطيف الوطني واقامة علاقة بناءة مع السلطة. 
المبادرات الشيعية:
في ظل حالة الجمود السياسي قام المواطنون الشيعة بمبادرتين رئيسيتين،عنونوا الأولى عام 2003هـ بـ ( شركاء في الوطن )، قدموها لولي العهد السعودي في حينها الأمير عبدالله بن عبد العزيز، وقد تضمنت بلغتها السياسية الراقية جميع المطالب الشيعية التي تهدف في جوهرها إلى تحقيق وترسيخ مبدأ المواطنة بين جميع المواطنين.
أما المبادرة الثانية فكانت في عام 2008، حيث عنونت بـ ( مشروع اندماج الشيعة في الإطار السياسي الوطني: برنامج عمل لمعالجة التمييز الطائفي )، وقد تم تقديم هذا المشروع لولي العهد الأمير سلطان بن عبدالعزيز. وكان المشروع يتضمن تحقيق حاجتين متوازيتين هما:
1/ تخلُّص الشيعة نهائيا من مشكلة التمييز والتهميش القائم على مبررات مذهبية، والحصول على معاملة متساوية على قاعدة المواطنة.
2/ تخلُّص الدولة نهائيا من القلق الذي يتسبب فيه الانقسام المذهبي وما يؤدي إليه من تحول الطائفة الشيعية الى بيئة مساعدة للانشقاق على الدولة ومعارضتها، كذلك التخلص من ارتياب الدولة تجاه علاقة الشيعة بمرجعياتهم الدينية، وبشكل عام المجتمعات الشيعية في الخارج.
كلتا المبادرتين لم يتم الاستجابة لهما من قبل المسؤولين في الحكومة السعودية، وبقيت علاقة الشيعة بالدولة علاقة متأزمة محتقنة؛ رغم أن الحالة الظاهرية تحكي خلاف ذلك في ظل مشاركة المواطنين الشيعة في الحوار الوطني الذي دعى له العاهل السعودي الملك عبدالله في عام 2003م، ودعى له جميع الأطياف الدينية والفكرية، وكان الجميع يرجون منه خيرا، غير أن توصيات الحوار الوطني بقيت حبرا على ورق مما أشعر دعاة الاصلاح سنة وشيعة بالخيبة مرة أخرى.
أضف إلى ذلك أن العديد من المبادرات منذ ابتداء الاحتجاجات في القطيف في فبراير 2011 تم تقديمها إلى حاكم المنطقة الشرقية الأمير محمد بن فهد وكان الهدف منها تخفيف الاحتقان الشعبي، ومنها المبادرة الشبابية التي قام بها مجموعة من الشباب في 30 مارس2011م، وكانت في ثلاثة محاور هي الحقوق الانسانية، والحقوق الوطنية، والحقوق الدينية إلا أنها كمثيلاتها تتنظر قرارا سياسياً لتحويلها إلى واقع عملي .
وبالإضافة إلى وجود مبادرات شيعية تعتني بالمسألة الشيعية، كان للشيعة مشاركة فعالة في العمل الاصلاحي والوطني مع مختلف الأطياف الدينية والفكرية في السعودية.
المواطنة مخرج الأزمة :
الملف الشيعي واحد من الملفات التي تسبب الاحتقان عند المواطنين في السعودية دون وجود أي مبادرات من طرف الحكومة السعودية نحو معالجة حقيقية له وتسويف الحل السياسي أدى إلى خروج احتجاجات في شرق السعودية تأثرا بالربيع العربي للمطالبة بانهاء التمييز الطائفي والذي انعكس بتأزم العلاقة بين الحكومة والمواطنين الشيعة ووصولها إلى مرحلة سيئة خصوصاً مع صمت الحكومة عن المتطرفين الذين يقدحون في الشيعة ليلاً ونهاراً دون قيام الحكومة بواجبها بردعهم والذي سينعكس سلبا على استقرار الوطن على المدى المتوسط والبعيد ما لم تقم الحكومة بخطوة سريعة نحو تحقيق المساواة بين المواطنين وسيادة القانون لكي تتحق التنمية الانسانية في أحد صورها وصولاً إلى تمتع جميع المواطنين بالحريات والعدالة الاجتماعية وضمان حقوق الانسان .