الأحد، 26 يونيو، 2011

التعذيب في فكر المرجع الشيرازي



المرجع الشيعي السيد محمد الحسيني الشيرازي (1347 – 1422هـ ) من الفقهاء القلة الذي حاول جاهدا أن يظهر رؤية الاسلام في الحقول السياسية و المدنية و الثقافية و الاقتصادية و الاجتماعية وهو بذلك مزج بين الاصالة و التأصيل فولد رؤئ اسلامية جميلة في قضايا العصر . كان من أشد المؤمنين بنظرية اللاعنف في الاسلام فكتب في هذا الحقل الكثير  الكتب لايمانه التام أن الاسلام دين يعتمد على السلم و السلام . في ذكرى اليوم العالمي لدعم ضحايا التعذيب الذي يصادف 26 /6 من كل عام ، سأحاول أن أضع مقتطفات من كتابات السيد الشيرازي التي أشار فيها إلى التعذيب ، وهدفي من ذلك اظهار أن الفكر الاسلامي يرفض التعذيب و الكتابات التي يكتبها بعض علماء المسلمين في مشروعية التعذيب يجب مناهضتها و هذا واجب اجتماعي على مختلف الشرائح الاجتماعية إذا أردنا أن نتخلص من المرض العضال ( التعذيب ) الذي ينخر جسد الأمة الاسلامية و يفتك بأبنائها البررة . 

حرمة و خطر التعذيب :

- لقد كثر التعذيب في البلاد الإسلامية وغيرها مما يدل على التخلف الكبير، ففي كل بلاد الإسلام ترى قساوة التعذيب حسب ما رأيناه وسمعنا به منذ نصف قرن.مع العلم بأنه لا تعذيب في الإسلام إطلاقاً، وهو من أشد المحرمات، فإنه إهانة للبشرية ولكرامة الإنسان الذي قال في حقه تعالى: ((ولقد كرمنا بني آدم)) .كما هو إهانة للمعذِّب ـ بالكسر ـ أيضاً قبل أن يكون إهانة للمعذَّب ـ بالفتح ـ حيث يدل على خبث سريرته وضعفه وعدم خضوعه للحق بل اتباعه لسبيل الشيطان، وعدم تمكنه من إفهام الطرف بالحوار والمنطق. ولا فرق في حرمة التعذيب بين أن يكون المعذَّب ـ بالفتح ـ مسلماً أو غير مسلم، بل حتى لو كان محارباً للمسلمين، ثم استولى المسلمون فلم يجز أن يعذَّب، وإن عذّبه شخص نهاه الإسلام أشد نهي ـ كما ذكره الفقهاء ودل عليه إطلاق الأدلة مثل: «لا يعذب بالنار إلا رب النار»، وما أشبه مما ذكر في النص والفتوى. ( كتاب : لماذا الكوارث )

- ما نراه من التعذيب المنتشر في بلادنا هو بسبب عدم الإيمان بالله عزوجل، وعدم الوعي، وعدم التعددية السياسية، وعدم استقلالية القضاء، وما أشبه. ( كتاب : لماذا الكوارث )

- ان أي تعذيب مهما كان لونه ومهما قيل في مبرره، ممنوع ومحرم قطعاً، لم ينزل الله به من سلطان، فعلى الممارسين للحركة أن يتجنبوه مهما كلف الأمر، سواء في داخل الحركة أو خارجها، وسواء قبل وصولهم إلى الحكم أو بعد وصولهم اليه، وسواء بالنسبة إلا الأصدقاء أو الأعداء..
فإن من يهين كرامة الإنسان لا يتمكن أن يدافع عن كرامة الإنسان ومن يمارس التعذيب ولو لمرة واحدة ويقول إني أريد إيصال الإنسان إلى الكرامة لايكون كلامه إلا هراءً وسخفاً، فإنه لا يصل إلى الهدف أولاً، ويحاكم محاكمة المجرمين في المحاكم الإلهية ثانياً، وتهدر كرامته في المجتمع الذي يطلع على ممارسته ثالثاً..
وهناك قسم من أصحاب القدرات يتصورون أنهم لو مارسوا التعذيب لا تصل أنباؤه إلى المجتمع، ناسين قوله تعالى: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون) . ( كتاب : كيف ينظر الاسلام إلى السجين )

-    لا شك انه من الممكن أن يستظهر الإنسان الحق ـ الذي يريد بعض استظهاره لا بسبب التعذيب ـ ويتوصل إلى الواقع، بواسطة الأدلة والشواهد وتكثير الأسئلة والأجوبة أو ما أشبه ذلك من القضايا المعروفة في قضاء أمير المؤمنين(عليه السلام).
فلا يقال: إنه اذا لم يمارس التعذيب في حق المجرمين فسوف لايعترفون بالواقع، وبالتالي يبقى بعض الحق خافياً، كما هو منطق الدكتاتوريين.
فإنه يقال: أولاً: بقاء بعض الحق خافياً أفضل من إهانة الحق بالتعذيب.وثانياً: في التعذيب أيضاً يبقى ذلك، فبعض المعذبين يعترفون على أنفسهم زوراً وكذباً للتخلص من آلام التعذيب وهو أيضاً تغطية للحق.
كما يلزم على ممارسي التغيير عدم ممارسة التعذيب إطلاقاً على ما ذكرناه، كذلك يلزم عليهم تقليص السجون والسجناء، إلى أقل قدر اضطراري، فانه بالإضافة إلى انه كبت حريات الناس محرم قطعي في الشريعة الإسلامية، فإن السجن من أبرز مصاديق كبت الحريات. ولا يمكن أن يكون من يدعو إلى الإسلام يخالف الإسلام في حكم مهم من أحكامه، بالإضافة إلى ذلك كله فإن للسجن أضراراً كثيرة لا يجبرها شيء، ولا ينبغي للعاقل أن يلجأ إليه إلا في قصوى حالات الضرورة من جهة الأهم والمهم والضرورات تقدر بقدرها. ( كتاب : كيف ينظر الاسلام إلى السجين )

- مسألة : لا يجوز تعذيب أحد سواء بالوسائل القديمة كالسياط، أم الوسائل الحديثة كالكهرباء، نعم في الموارد الخاصة المقررة في الإسلام تجرى الحدود والتعزيرات كما ذكر في كتاب الحدود والقصاص.
* علماً بأن الحدود الإسلامية ليست تعذيباً، وإنما هي أحكام جزائية قررها الإسلام في موارد خاصة بعد ثبوت الجريمة ثبوتاً شرعياً لحفظ نزاهة المجتمع وضمان أمنه وسلامته، والأدلة على حرمة التعذيب كثيرة، ولا فرق في حرمة التعذيب بين التعذيب الجسدي أو الروحي، ولا يجوز تعذيب المجرم وحتى الكافر فكيف بالبريء، أما الحدود والتعزيرات فالمقرر منها في الإسلام شيء قليل جداً، وهو مشروط بشروط تجعله في غاية الندرة، ثم أنه ذكرنا في كتاب (الفقه: الدولة) جواز تبديل الحاكم الشرعي ـ في التعزير ـ السوط ونحوه بالغرامة أو السجن المعقول أو عقوبة أخرى مثل منع السائق المخالف من السياقة مدة إلى غير ذلك. ( كتاب : الفقه المسائل المتجددة )

- مسألة : لا يجوز التعذيب لأخذ الاعتراف.
* للنص الخاص والإجماع القطعي ودليل العقل، ومن المعلوم إنه كلما غلظ التعذيب كمّاً وكيفاً كان أشد حرمةً.
لا يقال: فكيف يؤخذ الاعتراف؟
لأنه يقال: أما بالنسبة إلى حقوق الله تعالى كالزنا واللواط فلا يجوز أخذ الاعتراف إطلاقاً، وأما بالنسبة إلى حقوق الناس كالسرقة، فيلزم أن يكون الحاكم خبيراً حتى يأخذ الاعتراف من دون إكراه المجرم، كما نراه في قضاء أمير المؤمنين(عليه السلام) وبعض الأنبياء(عليهم السلام). ( كتاب : الفقه المسائل المتجددة )
فضح التعذيب
- ثم إنه يلزم فضح التعذيب، والحيلولة دون وقوعه، ولا يكون ذلك من التدخل في الشؤون الداخلية، بل حتى وإن كان، فإن قانون أن الأمر الداخلي لا يرتبط بالأمم المتحدة وما أشبه غير صحيح. فالإسلام لا يرى فرقاً بين الأمور الداخلية والأمور الخارجية في ذلك، فلا فرق في من يضطهد إنساناً بين أن يكون خارج الوطن الذي قرروه أو داخل الوطن، فقد قرر الإسلام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدفاع عن المظلوم، سواء كان تارك المعروف أو فاعل المنكر من نفس القوم، أو الوطن، أو اللغة، أو غيرها من أبعد من يكون حسب اصطلاحهم. وقد أعطى أمير المؤمنين علي (عليه السلام) الماء للجيش المحارب له، مما تعلّمه من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وتعلّم منه الإمام الحسين (عليه السلام) في طريقه إلى كربلاء. ( كتاب : لماذا الكوارث )

-    لو فكّر كل كاتب بذلك الإنسان الذي يتعرّض للتعذيب مثلاً في سجون صدام، وانه ينقل من غرفة إلى أخرى ويعذّب أشد تعذيب، لو كان في مكانه ماذا كان سيتوقّع من كتّاب العالم؟ أليس كان يتوقّع منهم أن يتحرّكوا للدفاع عنه وللكتابة عن أنواع التعذيب التي يتعرّض إليها ؟ فإذا كان الأمـر هكذا فلماذا يبخل الكتّاب عن ذكر الحقائق وتبيانها للعالـم ووصف ما يتعرّض إليه المضطهدون من أنواع البلاء والمآسي على أيدي الجلادين.
إن ضريبة الحياة الحـرة التي يعيشها الكاتب هي أن يتذكّر أولئك المقهورين الذين يتعرضون إلـى شتى أنواع التعذيب والسجن والقهر، فالكاتب هو إنسان كبقية البشر ويتحسس لآلام البشر، بل هو أكثر تحسساً لأولئك الذين يدفعون ضريبة عقائدهم في السجون والمعتقلات فأقل مـا يمكـن أن يقدّمه لأولئك المضطهدين هو نقل آلامهم عبر السطور وتصوير ما يجري عليهم على صفحات الكتب ليعرف العالم ما يجري عليهم.
إنّ الإنسان مسؤول عن أعماله كما هو مسؤول عن أعمال غيره أيضاً إذا استطاع أن يغيّر اتّجاه أعمال الآخرين، من جانب الشر إلى جانب الخير، وقـد قال عيسى المسيح (ع): (التارك مداواة الجريح كالجارح له).
أضف إلـى ذلك فإنّ الإنسان مسؤول عن أعمال المنكرات التي يرتكبها الآخرون فعليه أن ينهى عن المنكر ويحاول أن يجنِّب الآخرين من الوقوع فيها.
وربّما استشكل البعض عـن جدوى الكتابة عن التعذيب، وعن قدرة الكتّاب على منع الطغاة من ممارسة التعذيب ؟
والجواب: الكتابة نافعة كثيراً في هذا المضمار فقد كانت أوربا في يوم من الأيّام يعمها الظلم، وكانت هناك مراكز للتعذيب والنيل من الإنسان، لكن توقّف كلّ شيء على أثر الكتابة المتواصلة فقد كتب كبار المفكرين الأوربيين عن ممارسة الحكومات للتعذيب، ودعوا إلى منح الحقوق الشرعية والسياسية. والآن وبعد مدّة ليست بالطويلة نجد أن دول أوربا أقلعت عن ممارسة هذه الرذيلة بشكل عام، وكذا الأمر في سجون الهند واليابان سابقاً كان يمارس فيها التعذيب على أشدّه، والآن لا نجد تلك الممارسات المخجلة الشنيعة. من هنا كان لزاماً على كتّابنا المسلمين أن يواصلوا كتابتهم حـول التعذيب وأن لا يصيبهم اليأس من مواصلة الطغاة لنهجهم، فإنّ كتاباتهم ستعطي ثمارها يوماً وستكون سبباً لإنقاذ أرواح مئات الألوف من الناس. ( كتاب : إلى الكتاب الاسلاميين )



الأربعاء، 1 يونيو، 2011

في ذكرى البيعة السادسة : نعم للصدق لا للخوف



في الذكرى السادسة للبيعة (26 /6/1432هـ الموافق 29/5/2011م ) خاطب خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز المواطنين بكلمات رائعة بقوله " أوصيكم بكلمة هي بسيطة ، ولكني أوصيكم بها لأن الإنسان بدونها لا إنسان وهي الصدق .. الصدق .. الصدق .. عليكم بالصدق في معاملاتكم وفي بيوتكم وفي أولادكم وفي أقاربكم وفي من يسمع منكم . أرجوكم أن تتمسكوا بالصدق لأن الصدق حبيب الله وهو أوفى للإنسان وأوفى ما للإنسان الصدق ، لأنك إذا صدقت صدقوك العالم كلهم ، وإذا زليت بزلة لو كلمة واحدة ما عاد احترموك ، الإنسان صدق لازول . إخواني : أرجوكم هذه تحياتي لشعب المملكة العربية السعودية ، شعب الوفاء وشعب الخير ، شعب المقدرة شعب الأخلاق ولله الحمد . وأنا ما أنا إلا خادم لكم ، أنا ما أنا إلا أقل من خادم لكم ، صدقوني أنني لا أنام إلا ولله الحمد سائلاً عن كل المناطق ما هي الحوادث فيها ، وش اللي ما صار وش اللي صار. ولله الحمد هذا ما هو كرم مني . هذا وفاء وإخلاص لكم ، وحبكم لي لن أنساه ، ولن أنساه مادمت حيا ، أشكركم وأتمنى لكم التوفيق وأتمنى أن تعينوني على نفسي ، وشكراً لكم ."

الكلمات السابقة رسالة إيجابية للمواطن بأن يكون صادقا مع المسؤول فزمن الخوف يجب أن يزول من العقول و أن نتحدث بما يبرئ ذمتنا يوم القيامة ، و كما أن الملك يقوم بالسؤال عن جميع المناطق يومياً ، فدورنا كمواطنين أن نساعد الملك في تأدية مهامه بأن نوصل همومنا و آهاتنا له بكل صدق . الملك لا ينتظر كلمات التبجيل بقدر ما ينتظر الكلمة الصادقة التي تساعد في تنمية الوطن و تساعد على تقويته .

كلمة الصدق ترددت في الكلمة المقتضبة للملك أكثر من ست مرات و هذا يعكس مدى حرص الملك على أن تكون الكلمة راسخة ، و هذا ما انعكس في كلمة الأمير نايف بن عبدالعزيز آل سعود النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية التي شدد فيها على الصدق باستحضار كلمة الملك بقوله " ، وفي هذا اليوم بالذات قال حفظه الله : إن هناك كلمة من أهم الكلمات ومن أهم ما يجب أن يكون وهي كلمة الصدق فيجب أن يكون الإنسان صادقا مع ربه ثم صادقا في قوله وفي عمله ، وهذه كلمة لها مدلولها لإنه مطلوب من كل منسوبي الدولة أن يصدقوا في أعمالهم ، صدقا مع الله أولا ثم معه كولي أمر وضع ثقته فيهم " و " ونعرف نحن المسؤولون كم يحثنا وكم يشدد علينا بالاهتمام بالمواطنين واللقاء بهم وتلمس احتياجاتهم كل في اختصاصه ليس قولا بل فعلا وعملا "
هذه الكلمات ذكرتني بالكلمة التي ألقاها الملك فهد بن عبد العزيز في مجلس الوزراء في يوم الأربعاء 30/6/1403هـ الموافق 13/4/1983م  عندما استعرض ما قامت به الحكومة وبعد ذلك قال " لماذا ، مثلاً ، تكلمت في هذا الموجز ؟.. لأن الكثير يتساءل .. ماذا عملت الدولة ؟ بطبيعة الحال هذا ناتج من حرص المواطن ، كونه يسأل هذا السؤال : ما هو الشيء الذي عملته الدولة " راجع كتاب بيانات مجلس الوزراء في السعودية للأعوام (1402،1403،1404) .

بعد هذه المقدمة الطويلة سأكون صادقاً و اتحدث بما أراه مصلحة لوطني .

1-    لست ناطقاً عن الشعب ، و لكني سأنقل لكم ما أسمع و أقرأ و أرى . الكلمات الجميلة التي تزين بها أسماعنا منذ توليت الحكم معظم المواطنين يطرب بها لكن للأسف لا تتحول إلى واقع عملي و الشواهد كثيرة على ذلك، فكم مرة دعيت إلى نبذ القبلية و العصبية و أن الوطن للجميع لكن لم يتغير شيء على أرض الواقع بل الأمور تزداد تعقيداً ، و هذا جعل الفرحة ناقصة و أصبحت الثقة بأن يلتزم الجميع بما تقول ضعيفة .

2-    سيادة القانون ثم سيادة القانون ثم سيادة القانون أكررها لأني أجد أن عدم تطبيق القانون على الجميع أو عدم تشريع قوانين لسد مناطق الخلل الحالي أو المستقبلي يؤدي إلى جعل الوطن مريضاً و عليلاً ، فالقانون علاج فعال لمعظم الأمراض التي تصيب الدولة و المواطنين حينما يقترن بالحكم الرشيد . و لأن هذه النقطة من النقاط الحساسة لأنها الشريان الأساس التي تحكم العلاقة الطولية بين الحاكم و المحكوم و العلاقة الأفقية بين المواطنين أنفسهم . الأمثلة هنا لا حصر لها و لكني سأتطرق إلى موضوع هو حديث الناس و سأقدم له بمقدمة من واقعنا المعاصر كي نعرف مقدار الاحتقان في النفوس و المخاطر الذي يسببها اهمال موضوع سيادة القانون .

في مصر كانت العلاقة سيئة بين جهاز مباحث أمن الدولة و المجتمع المصري ، بحيث كان هذا الجهاز يمارس أشد أنواع التنكيل و التعذيب و الإساءة بحق الناشطين و الكتاب ، و قد انتشرت الكثير من مقاطع الفيديو التي تعكس ممارسات الجهاز القمعية فضلاً عن الشهادات التي أدلى بها الكثير من أبناء الشعب المصري على مدى العقود المظلمة من التاريخ المصري ، فكانت الثورة المصرية نقطة النهاية فطالب الشعب المصري بعد نجاح الثورة بحل هذا الجهاز ليكون نسيا منسياً فكان لهم ذلك يوم 15 مارس 2011 ، و نفس الشيء حدث في تونس عندما تم حل جهاز أمن الدولة " البوليس السياسي " يوم 7 مارس 2011 .

المثالان السابقان يختصران ما أريد قوله ، فجهاز المباحث كما يعلم الجميع لا يعتمد على نظام الإجراءات الجزائية في ما يقوم به رغم أن النظام جعل المباحث إحدى جهات الضبط و هيئة التحقيق و الإدعاء العام هي التي تتولى التحقيق و التوقيف و تمديد التوقيف و الإشراف على أماكن التوقيف ، إلا أن ذلك غير مطبق و بالتالي أصبح هذا الجهاز مثار قلق و الناس أصبحت تفقد ثقتها في القوانين التي يقرها مجلس الوزراء و الملك لأنها أصبحت حبر على ورق ، و بالتالي يختل جزء و ركن أساس من مقومات الدولة و هو العدالة .

في الوطن نشعر أن الطريق الصحيح و السليم ليكون مكاناً صحياً و آمنا هو أن تكون القوانين محل الزام للجميع ، فليس من العدل أن يسجن الناس لسنوات بلا محاكمة أو توجيه تهمة، بحيث أصبح وطننا محل لضرب الأمثال في العالم في الاعتقالات التعسفية . نريد لوطننا أن يكون القانون هو الفيصل في الخصومات و المنازعات و نبتعد عن تأثير الأشخاص ، نريد من يحكمنا هو القانون و ليس الشخص و عندما نخطئ نعاقب على أساس نص قانوني و ليس بناء على رأي القائم على تنفيذ القانون .

الكلام ليس مختصاً بالمباحث بل أيضا قطاعات كثيرة من الأمن العام لا تلتزم بالقوانين التي سنتها الحكومة لكي تكون هي المرجع للجميع لتحقيق العدالة .

هنا أجدها فرصة لكي أشدد كمواطن " صالح " أن يتم إقرار اللائحة التنفيذية لنظام الإجراءات الجزائية ، فتأجيل إقرار اللائحة من مجلس الوزراء يعطل العدالة لأنه يجعل الاجتهادات متفاوتة و متناقضة في فهم النصوص و تطبيقاتها و هذا يتعارض مع الهدف من وضع القوانين التي تنظم القضايا الجنائية . فنظام الإجراءات الجزائية أقر منذ عام 1422 وكان من المفترض أن تصدر اللائحة في وقت سريع تحقيقاً للمادة (223) من نظام الاجراءات التي تنص على "   تحدد اللائحة التنفيذية لهذا النظام إجراءات تنفيذ الأحكام الجزائية." و الان بعد مضي عشر سنوات لم يتم إقرار اللائحة و هذا أمر يجب أن يأخذ بعين الاعتبار لأن التأخير بمثل هذه المدة غير مبرر و بصفتكم رئيس مجلس الوزراء أقترح أن يتم مناقشة هذا الموضوع في مجلس الوزراء لأنها من صميم عمل المجلس حسب ما تنص عليه المادة (224) من نظام الاجراءات الجزائية " يُصدر مجلس الوزراء اللائحة التنفيذية لهذا النظام بناء على اقتراح وزير العدل بعد الاتفاق مع وزير الداخلية. إضافة إلى ذلك أن تكون هيئة التحقيق و الادعاء العام لها مكاتب في جميع مختلف محافظات المملكة بكامل الصلاحيات ، بحيث لا تكون هيئة التحقيق و الادعاء العام لها التحقيق في بعض القضايا و جهات الضبط لها الصلاحية في قضايا أخرى .

3-    مؤسسات المجتمع المدني من أهم الأدوات التي تساعد على تحقيق أهداف و تطلعات الحكومة و الشعب ، و هي تساعد على تعزيز دور المواطن في بناء الدولة و تساهم بشكل فعال في تحقيق خطة التنمية التاسعة ، هذا الدور الذي يجب أن تلعبه المؤسسات المدنية مغيب و معطل و بذلك يخسر الوطن بتعطيل كثير من الكفاءات الوطنية في المساهمة في صنع مستقبلهم و حاضرهم . وهنا نتساءل لماذا نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية الذي أقره مجلس الشورى منذ عام 2008 و تم تحويله إلى مجلس الوزراء منذ ذلك التاريخ لم يتم ادراجه ضمن جدول أعمال مجلس الوزراء لمناقشته و صولاً للموافقة عليه .
4-    عانت الأقليات من التمييز الممنهج منذ تأسيس الدولة السعودية ، و هذا الأمر أصبح من المسلمات و حري بك يا خادم الحرمين أن تأخذ قراراً مهماً بأن يتم اشراك الشيعة في صناعة الوطن ، فالتهميش سيزيد من حالة عدم الثقة و سيرسل رسائل سلبية للمواطنين الشيعة أن عدم اشراكهم هو أحد وجوه عزلهم ، فعبارة الوطن للجميع يجب أن تكون راسخة البنيان في مفاصل الحكومة و الهيئات و المؤسسات التشريعية و التنفيذية و القضائية و عدم الاكتفاء بوضعهم في آخر السلم . و هنا أشيد بالمبادرة الأخيرة التي أطلقها الأمير جلوي بن عبد العزيز نائب أمير المنطقة الشرقية يوم الأربعاء 22/6/1432هـ الموافق 25/5/2011 م و التي أمر فيها بتشكيل لجنة من ستة أشخاص ثلاثة من إمارة المنطقة الشرقية و ثلاثة من أهالي القطيف و ذلك لوضع حلول و معالجات للمشاكل التي يعاني منها الأقلية الشيعية ، و هذه اللجنة تحتاج أن تكون تحت نظركم لكي يمكنها أن تتحرك بسرعة و فعالية و تتحول قرارات اللجنة إلى واقع عملي .

5-    المرأة في السعودية عانت من الإقصاء لعقود طويلة اعتماداً على النصوص الدينية ، أرادوا للمرأة أن تكون جاهلة بتحريم تعليمها في المدارس وقد تم تخطي هذه العقبة من الممانعة التي استمرت لسنوات عديدة بالأمر الملكي الحكيم من الملك فيصل في عام 1380هـ و الذي أتى بعد حوالي عشرين سنة من تعليم الأولاد . و لو تم الاعتماد على آراء المخالفين لتعليم المرأة و بدعوى الخصوصية و العرف لأصبحت المرأة السعودية إلى يومنا هذا جاهلة و خسر الوطن كفاءات نسائية قامت بتنمية الوطن على مدى الخمسين سنة الماضية . المرأة السعودية لها حقوق يجب أن ينظر لها بالميزان الإسلامي المعتدل ، فلا يمكن تمييز المرأة السعودية بأحكام تكون متفردة بها عن بقية نساء العالم و نعتبر أن هذا هو الصالح لها ، الأصلح لنساء الوطن هو أن يشعرن أنهن يحصلن على حقوقهن و أن يشاركن في مختلف قطاعات الدولة و بمختلف المستويات . ابعاد المرأة السعودية و تعطيل كفاءاتها عن طريق تشريعات و قوانين هي مخالفة لما التزمت به الدولة و أيضا لا تنسجم مع نظريات التنمية و ما توصل إليه العقل البشري في عصرنا الحالي يعرقل تقدم الوطن و لا يجب أن نكون دولة شاذة في تعاملنا مع المرأة ، احترامنا للمرأة هو بحماية حقوقها و ليس بتقييد حريتها و عزلها عن الحياة العامة .
ما ذكرته سابقا هو فقط للتذكير لا أكثر ، فما ذكرته هو إعادة تأكيد ليأتي متزامناً مع الذكرى السادسة للبيعة التي هي يوم الصدق و الشفافية بين الحاكم و المحكوم ، لنؤسس في هذا اليوم مرحلة جديدة من العلاقة المبنية على الصراحة لكي نحقق رؤية الملك في أن نكون الأعين الصادقة في نقل الحقيقة له .