السبت، 12 نوفمبر، 2011

الحرية بنكهة سعودية


الماكينة الإعلامية السعودية تسوّق باستمرار بوجود هامش كبير للحرية في السعودية يساعدها في ذلك التحالفات الإعلامية بين الدول. فمثلاً لا تتحدث قناة الجزيرة عن الأوضاع في السعودية ولا قناة العربية تتحدث عن ما يجري في قطر إلا ما ندر. المروّجون لهذه الأكذوبة يستشهدون بما يجري في الساحة الإعلامية السعودية من حراك نشط، فالسعوديون كل شيء يمكنهم كتابته والحديث عنه في وسائل الإعلام التقليدية دون وجود رقيب، وهنا نتذكر دعوة رئيس تحرير صحيفة الرياض تركي السديري لمنظمة مراسلون بلا حدود في عام 2010 لزيارة السعودية لكي يتعرفوا على الواقع عن قرب بعد أن رأى السديري أن تقرير المنظمة يستهدف السعودية ولا يقوم على الموضوعية، وذلك بعد أن أصدرت المنظمة تقريرها السنوي التي وصفت فيه السعودية بأنها “من أعداء الإنترنت و من صيادي حرية الصحافة” ووضعت المملكة في الترتيب 163 من 175 دولة شملها التقرير. في الجانب المظلم هناك حقيقة راسخة وهي أن الإعلام السعودي لا يقوم على الاستقلالية عن السلطة، فالصحف مثلاً تختلف في الطباعة والمسميات و بعضها يمتلك قليل من الجرأة لكنها تتفق جميعا في أنها صحف خاضعة بشكل رئيس لما يجب عليها أن تتحدث به و ما لا يجب الحديث عنه.

اعتقال فريق ملعوب علينا (فراس بقنة، حسام الدريويش، خالد الرشيد) لمدة أسبوعين 17-30/10/2011 لأنه قام بانتاج فيديو عن الفقر في أحد أحياء الرياض يثبت أننا أمام مشهد أكثر سوءاً، لأن مشكلة الفقر في السعودية هي حديث الناس والدولة وإن لم تجاهر بها صراحة باستثناء زيارة الملك عبدالله بن عبد العزيز حينما كان وليًا للعهد في نوفمبر 2003 لأحد الأحياء الفقيرة، حقيقة الفقر في السعودية تثبتها الأرقام قبل الكلام؛ فالسعودية تنفق سنويًا أكثر من 20 مليار ريال لدعم الأفراد المستفيدين من الضمان الاجتماعي والذين يصل عددهم حسب تصريحات المسؤولين إلى 750 ألف عائلة، أي أننا أمام أكثر من مليوني شخص يستفيدون من هذه المساعدات. أضف إلى ذلك هناك ما لا يقل عن 400 جمعية خيرية تقوم بتقديم المساعدات للمحتاجين والحكومة تقدم لهم دعم مالي بأكثر من 300 مليون فضلاً عن قيام هذه الجمعيات بجمع التبرعات من الأفراد والشركات وتصل مصروفاتها السنوية إلى أكثر من ثلاثة مليارات ريال سنويا، ونتيجة هذه المعطيات الواضحة لمعظم الناس سبب اعتقال فريق ملعوب علينا صدمة للمجتمع السعودي لأنه تحدث عن قضية اجتماعية هي محل اهتمام الجميع ومنهم الدولة؛ ولكن يظهر أن النقد لملف إدارة الفقر في السعودية أصبح من الخطوط الحمراء الجديدة بحيث يجب على الشعب أن يصمت ويأكل تبن!

في المشهد السياسي شهد عام 2011 اعتقال أكثر من 500 ومنع المئات من السفر بينهم نساء وأطفال وكتّاب وحقوقيين نتيجة تعبيرهم عن حريتهم باستخدام أساليب مدنية مثل التجمعات السلمية أو الاعتصامات أو الحديث بصوت عال، تم إطلاق النسبة العظمى منهم لكن أصل فكرة الاعتقال لأشهر أو لأسابيع أو لأيام في قضية رأي يعكس مستوى قمع الحريات التي تشهده المملكة، وتغليب الحالة الأمنية في معالجتها للقضايا الحقوقية.

أما في الحالة الإعلامية فقد أصدرت السلطات السعودية في 15 مارس قراراً بطرد مراسل شبكة رويترز أولف ليسينج والسبب حسب ما تدعي السلطات قيام المراسل بكتابة تقرير غير دقيق عن الاحتجاجات في السعودية، هذا السيناريو تكرر مع مراسلي شبكة البي بي سي؛ فتم التحقيق مع الصحفية التي كانت تغطي تجمعاً سلمياً في الأحساء وتم مصادرة أشرطة الفيديو من مصور القناة وتوقيع الصحفية على تعهد بعدم تغطية مثل هذه الأحداث وأن ترجع إلى الرياض، وأخيراً قامت السلطات السعودية ممثلة بوزارة الإعلام بالتضييق على راديو بي بي سي عندما زار السعودية في أكتوبر 2011 لعمل لقاءات لـبرنامج اليوم (Today Programme) فحسب ما كتبه المراسل الصحفي إدوارد ستورتون “أن فريق العمل قام بإجراء الترتيبات اللازمة لمقابلة رموز الشيعة  البارزين ليحكي لنا عن مآسي ومظالم مجتمعه. إلا أن وزارة الإعلام لم تسمح لنا بذلك، في المقابل أصر المرافقون لنا في كل مكان من الحكومة السعودية على مقابلة الشيخ (السيد وجيه الأوجامي) عوضًا عن ذلك. وقد لعب الشيخ دوره في تلميع صورة الحكومة بكل حماسة واقتناع” وعندما رجع المراسل إلى الرياض أثار هذه النقطة عندما التقى الناطق الرسمي بوزارة الداخلية اللواء منصور التركي فأجاب هو من جهته لا توجد لديه مشكلة بأن يلتقوا بأي أحد!!

و أيضا قامت وزارة الإعلام باقتطاع التقرير الذي كتبه المدون خالد الناصر لمجلة فوربس العربية عن فيلم مونوبولي وبالتالي خلت المجلة التي تباع في الأسواق السعودية من هذا التقرير في شهر أكتوبر 2011 .

في السياق نفسه قامت وزارة الثقافة والإعلام في بداية عام 2011 بإصدار لائحة النشر الإلكتروني التي تسعى لفرض الرقابة على ما ينشر بالطرق التقنية المختلفة وإن حاولت الوزارة أن تضع مادة في اللائحة بالقول أنها لا تراقب، فهي من باب ذر الرماد في العيون، وهي محاولة تأتي لفرض عملية ترهيب للكتّاب في الفضاء العام بشكل ضمني. أضف إلى ذلك صدور القرار الملكي بتاريخ 29/4/2011 بتعديل بعض المواد في نظام المطبوعات والنشر؛ والتي أتت مكملة للنهج العام في محاولة إرعاب المواطنين بالخطوط الحمراء الكثيرة والعقوبات الشديدة.

وسبق ذلك صدور نظام الجرائم المعلوماتية في 8/3/1428 الذي يُمّكن القائم على تنفيذ القوانين أن يعاقب به الأشخاص لوجود مساحة واسعة من الاجتهاد في المفاهيم المذكورة التي لا ضابطة قانونية لها؛ فمثلاً نجد المادة (6) تنص على أن “يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على خمس سنوات وبغرامة لا تزيد على ثلاثة ملايين ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من ينتج ما من شأنه المساس بالنظام العام، أو القيم الدينية، أو الآداب العامة، أو حرمة الحياة الخاصة، أو إعداده، أو إرساله، أو تخزينه عن طريق الشبكة المعلوماتية، أو أحد أجهزة الحاسب الآلي”. في المقابل نجد المقرر الخاص المعني بتعزيز وحماية الحق في حرية الرأي والتعبير بالأمم المتحدة، دعا في التقرير الذي قدمه إلى لجنة حقوق الانسان في عام 2000 (ص 52) “جميع الحكومات على ضمان عدم مواصلة فرض عقوبة السجن على جرائم الصحافة إلا في الحالات التي تنطوي على تعليقات عنصرية أو تمييزية أو تدعو إلى العنف. و في حالة جرائم من قبل “التشهير” أو “الإهانة” أو “إساءة السمعة” الموجهة إلى رئيس الدولة أو نشر معلومات “كاذبة” أو “مثيرة للبلبلة” فإن الأحكام بالسجن تستحق الشجب وغير متناسبة مع الضرر الذي لحق بالضحية. في مثل هذه الحالات يعد السجن كعقوبة على التعبير عن الرأي انتهاكاً خطيراً لحقوق الإنسان”.

لو أردنا تتبع حالات القمع للحريات على مستوى الممارسة العملية أو على شكل نصوص قانونية لوجدنا أنها في حالة من التوسع؛ فنجد مثلاً مشروع النظام الجزائي لجرائم الإرهاب وتمويله والذي ما زال يناقش في مجلس الشورى: تنص المادة (44) على أن “يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن خمس سنوات كل من روّج بالقول أو الكتابة بأي طريقة لأي موضوع مناوئ للتوجهات السياسية للملكة أو أي فكرة تمس الوحدة الوطنية أو دعا إلى الفتنة وزعزعة الوحدة الوطنية بما في ذلك من استغل أي نشاط مشروع لهذا الغرض”، مثل هذه المواد القانونية بالإضافة إلى الحالة الدينية التقليدية التي تحارب الحرية توصلنا إلى نتيجة أن مستقبل الحرية مظلم ونجد أنفسنا متطابقين مع ما كتبه الدكتور عبد القادر بوعرفة في بحثه الجميل بعنوان “العرب وسؤال الحرية” عندما أشار إلى “إن السلطة والأنظمة العربية عن طريق إعلامها وأبواقها قد أدخلت في شعور المواطن العربي كونه مواطنا وسيداً وحراً وعزيزاً، وفي الوقت نفسه ركبت في ذاته الشعور بالخوف من النظام. فأيهما أمام العدالة السماوية يعد مجرماً، المفكر الذي يريد أن يقوي الشعور بالحرية ولو بالتوهم الإيجابي، أم السياسي الذي يريد أن يجعل من شعبه قطعان ماشية تنقاد لرغباته بالقهر؟”.

نحن الآن أمام مرحلة جديدة في الحياة السياسية السعودية، فوفاة الأمير سلطان و تولي الأمير نايف ولاية العهد يجب أن يساعد ذلك على تعزيز قيمة الحرية في مختلف المجالات الفكرية والسياسية والحقوقية، فاستقرار الوطن يتعرض للخطر عندما يتم تقييد حريات الناس، فالناس إذا استطاعوا الحديث بحرية أصبح الحاكم لديه القدرة على سماع الناس وبالتالي يكون فعل الحاكم انعكاسًا لتطلعات الناس وطموحهم وتزداد علاقة المحبة بين الحاكم والمحكوم، فجميع المواطنين محبين لوطنهم ونقدهم لما يجري ليس لتأليب الرأي العام أو التحريض بل هو دليل على وعيهم ورغبتهم بإصلاح الأوضاع الحالية إلى الأفضل، فـ “محاولة بعض الدول الحفاظ على الاستقرار من خلال الإكراه أو شبكات المحسوبية سيؤدي إلى ارتفاع مستويات الفساد والمزيد من انتهاكات حقوق الإنسان في بعض الدول يزيد مخاطر انفجار العنف مستقبلاً” هذه إحدى النتائج التي توصل لها التقرير الذي صدر حديثا من البنك الدولي عن التنمية في العالم لعام 2011 وتناول موضوعات الصراع والأمن والتنمية.

المعطيات السابقة تجعلنا نتمسك بالحرية كعمود أساس لاستقرار الوطن ومن دون الحرية سنبقى في وطن يغلي ونفوس الناس تزداد احتقاناً مع مرور الأيام وهذا بالتأكيد مدعاة لدق ناقوس الخطر وهو ما يدعونا إلى تغيير النمط الأمني في معالجة مسألة الحرية إلى رحاب أوسع من قبول التعددية الفكرية لنصنع مجتمعاً حراً مبدعاً لديه القدرة على حل مشاكله دون اللجوء إلى أساليب القرون الوسطى ونحن نعيش في القرن الواحد و العشرين.

نشر في موقع المقال

السبت، 8 أكتوبر، 2011

التحولات الكبرى للشباب السعودي في المجال السياسي


تقرير مركز بيرك مان «Berkman Center» التابع لجامعة هارفارد لعام 2009 وجد أن المدونين السعوديين قليلو الكتابة في الشأن السياسي وفي العام 2010 وجد أن تركيزهم كان منصبا على الجانب التقني مع اهتمام أكبر بالسياسة وهذا يعكس التقدم في التعاطي مع الشأن السياسي، في المقابل أشار التقرير أن المدونين المصريين يتعاطون السياسة بكل جرأة. عندما يقرأ المرء هذه النتائج التي كانت قبل ربيع الثورات العربية ويقارنها بما يقوم به الشباب السعودي في الوقت الحاضر من مساهمة فعالة في دعم ومساندة الثورات العربية حيث أصبحت المدونات والشبكات الاجتماعية منذ ثورة تونس وإلى الآن مليئة بالنقاشات السياسية الجادة وأصبحت مفاهيم مثل الحرية والعدالة حاضرة بقوة في المشهد السعودي الشبابي، المتابع سيكتشف أن هناك نقطة تحول كبرى تحتاج في المقابل لتحولات كبرى في التعاطي مع هذا الجيل.

الحراك السياسي الشبابي يظهر لأول مرة بهذا النضج والوضوح في المشهد السعودي عندما قامت فئات شبابية بإصدار بيانات جريئة تدعو العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز لعمل إصلاحات سياسية فصدر بيانان: الأول صدر في 23 فبراير 2011 بمسمى “رسالة الشباب السعودي إلى الملك عبد الله” وكان أحد المطالب هو إعادة ”تشكيل الحكومة بالمعايير الدقيقة والصارمة والشاملة للجدارة، بهدف خفض متوسط أعمار الوزراء إلى 40 سنة، وإتاحة الفرصة للمرأة كي تمارس دورها داخل مجلس الوزراء” والبيان الثاني صدر في 7 مارس 2011 بعنوان “مطالب الشباب من أجل مستقبل الوطن” وكان سقف هذه العريضة أعلى فقد شددت أن الإصلاح يتطلب “تطوير نظام الحكم ليصبح ملكياً دستورياً، يعزز قيام دولة القانون والمؤسسات، ويضمن الفصل بين السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية، وإطلاق حرية التعبير والتفكير والاعتصام والتظاهر، وحرية تكوين جمعيات المجتمع المدني ومنها حرية تكوين الأحزاب، وحق الشعب في المشاركة في صناعة القرار السياسي من خلال انتخاب ممثليه - رجالاً ونساءً - في مجلس الشورى، وضمانة الالتزام بتطبيق كافة العهود والمواثيق الدولية في مجال حقوق الإنسان. ” وبسبب شعور الشباب بالتهميش في مختلف المجالات فقد طالبوا بـ “إفساح المجال للشباب والشابات في كل المؤسسات التي ترسم خطط التنمية الإقتصادية والثقافية للحوار وتبادل الآراء ورسم المستقبل، والاستماع إليهم وإلى تطلعاتهم والسعي الحثيث لإشراكهم في التفكير والتخطيط والعمل. ” بالاضافة إلى ذلك كان للشباب مشاركة فعالة في التوقيع على بياني “دولة الحقوق والمؤسسات” وَ “إعلان وطني للإصلاح” فمن مجموع أكثر من 11 ألف شخص وقع، كان غالبية الموقعين من الشباب وهذا الشيء لم يسبق له مثيل في تاريخ الحراك الشبابي السعودي في المجال السياسي بعد أن كانت البيانات والمقالات والحضور الإعلامي مقتصرا على النخب السعودية، بل وجدنا أنه حتى في الانتخابات البلدية كان للشباب موقف واضح وجلي وذلك باستخدام أساليب مدنية بتحريض الناس على المقاطعة وهذا تجلى بإصدار “إعلان مقاطعة الانتخابات البلدية” في 1 مايو 2011 وكان أحد المبررات للمقاطعة سياسي كون الانتخابات لا تلبي “بصيغتها الحالية لطموحات التوسع في المشاركة الشعبية في صناعة القرار، المعبّر عنه في البيانات الإصلاحية المتعددة والذي يشمل انتخاب برلمان بكامل أعضائه، له صلاحيات تشريعية ورقابية واسعة، ويلبّي التعطش الشعبي لممارسة ديمقراطية كاملة ومؤثرة”.

في الجانب النسائي الشبابي ظهرت مبادرة حقي كرامتي والتي كانت انعكاساً لمبادرة “من حقي أن أقود” التي انطلقت بدعوة النساء ممن يحملن رخص قيادة دولية بقيادة سياراتهن في يوم 17/6/2011، وفي إطار الممارسة على أرض الواقع كان للأقلية الشيعية في السعودية تحركاً استمر لأشهر في شكل مظاهرات سلمية، فخرجت أكثر من 50 مسيرة سلمية ما بين شهري فبراير وأغسطس وقد وصلت في بعض الليالي إلى خروج أكثر من 10 الالاف شخص نادت بشعارات مثل “الشعب يريد حقوق الإنسان” وطالبوا برفع التمييز وإطلاق السجناء المنسيين التسعة الذين اعتقلوا على خلفية تفجيرات الخبر منذ 16 سنة ولم يحاكموا حتى الآن، ونتج عن هذا الحراك الشبابي اعتقال ما يربو على 300 شخص قضى أكثرهم في السجن أكثر من 3 أشهر بقي منهم حوالي 40 سجيناً لا يزالون رهن الاعتقال، وكان من أبرز المعتقلين حسين اليوسف وفاضل المناسف ونذير الماجد والأخير لا زال سجيناً إلى الآن، وهذا الحراك أدى إلى فتح المسألة الشيعية ونتج عنه عدة لقاءات مع المسؤولين ومن هذه الاجتماعات كان لقاء بين أمير المنطقة الشرقية الأمير محمد بن فهد بن عبد العزيز وعشرة من الشباب بتاريخ 8/3/2011، وعلى أثر هذا اللقاء قام هؤلاء الشباب بكتابة مجموعة من القضايا الرئيسية التي تحقق للشيعة المواطنة في وطنهم وكان العنوان الأبرز القضاء على سياسة التمييز والسماح بحرية الرأي والافراج عن السجناء المنسيين وتم تسليمها إلى نائب أمير المنطقة الشرقية الأمير جلوي بن عبد العزيز بتاريخ 30/3/2011، وكان هناك مقترح من الأمير جلوي بتاريخ 25/5/2011 بأن يتم تكوين لجنة من الشيعة ومسؤولين في إمارة الشرقية لمناقشة وضع الشيعة في السعودية، وإلى الآن لا توجد مؤشرات إيجابية في تغيير موقف الحكومة مع الشيعة باستثناء الإفراج عن المعتقلين وتأكيد الملك في كلمته بمجلس الشورى بتاريخ 25/9/2011 أن “التمسك بالوحدة الوطنية وتعزيز مضامينها أمر له ضرورة وأولوية” بعد أن شدد على أن “اللعب على أوتار الصراع المذهبي … كلها أمور تناقض سماحة الإسلام وروحه ومضامينه” وهذا الخطاب لا زال في المرحلة النظرية وما يجري في الواقع السعودي هو خلاف ذلك وننتظر اليوم الذي تزال فيها جميع أشكال التمييز ضد المواطنين ليعيش الوطن أجمل أيامه ولياليه. في الجانب الأخر كان هناك اعتصامان مقابل وزارة الداخلية في الرياض للمطالبة بالإفراج عن السجناء وتخلل أحد الاعتصامين لقاء بين مساعد وزير الداخلية الأمير محمد بن نايف والدكتور مبارك بن زعير، وأدى هذا الحراك إلى اعتقال مجموعة من المعتصمين واطلاقهم بعد فترة باستثناء الدكتور مبارك بن زعير والأستاذ محمد البجادي. أما الحركة النسوية لإيمانها التام بحقها في قيادة السيارة فقد أدى إلى اعتقال منال الشريف لمدة 10 أيام في سجن الدمام والتحقيق لا زال مع نجلاء حريري في هيئة التحقيق والإدعاء العام بجدة، بالإضافة إلى صدور حكم قضائي يوم الاثنين 26/9/2011 ضد شيماء جستنيه بعشرة جلدات. هذه الحوادث تعكس أن صبر الناس بدأ ينفذ، وأن هناك تغير في أنماط التعبير عند الشباب بالمطالبة بالحقوق السياسية والمدنية بعد أن تركزت لسنوات على البيانات وسياسة الباب المفتوح.

هذا التحول السريع لدى الشباب من حالة اللاوعي السياسي أو لنقل عدم الاكتراث بالشأن السياسي إلى الممارسة السياسية هو كسر لعقود من حاجز الخوف من الحديث في السياسة، كونها مدعاة أن يدخل الشخص لسنوات في السجن بسبب رأيه السياسي. الثورات العربية أعطت زخما معرفيا إذ أيقظت الحاجة إلى السياسة وأهميتها في عقول الشباب السعودي ولذا نحن في طور الانتقال لمرحلة جديدة للمجتمع السعودي في تعاطيه مع مسألة الإصلاح، بحيث لن تقتصر على النخب السعودية بل سيكون الشباب شركاء فعليين في عملية الإصلاح قولاً وعملاً، وهذا يدعو للتأمل مجدداً في دعم أدوار الشباب السياسية في المجتمع السعودي، لأن إغفال ذلك سيؤدي إلى زيادة الفجوة بين النظام الحاكم والمجتمع السعودي الذي غالبيته من الشباب، مما يوجب إعادة النظر في خطة التنمية التاسعة ««2010 - 2014التي أقرتها الحكومة السعودية، ففي الفصل الثامن عشر المختص بالشباب والتنمية هناك غياب واضح لأي سياسات من شأنها تمكين الشباب السعودي من العمل السياسي، وكذلك في الفصل التاسع عشر المتعلق بالمرأة والأسرة هناك تهميش لذكر المشاركة السياسية والمدنية للمرأة، وما أشار إليه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله في خطابه لمجلس الشورى بالقول أن “الخطة الخمسية التاسعة والتي صادق عليها مجلسكم الموقر فإنـها ستكون - بمشيئة الله وتوفيقه - عوناً لنا جميعاً على تحقيق ما نصبوا إليه نحو تكريس الرخاء والنمو والازدهار، لاسيما وأنـها قد نصّت على تحقيق الاستقرار الاجتماعي وضمان حماية حقوق الإنسان” فمن باب الصدق مع الحاكم وهو الذي أوصى المواطنين في الذكرى السادسة للبيعة بالقول ” أوصيكم بكلمة هي بسيطة، ولكني أوصيكم بها لأن الإنسان بدونها لا إنسان وهي الصدق.. الصدق.. الصدق.. عليكم بالصدق في معاملاتكم وفي بيوتكم وفي أولادكم وفي أقاربكم وفي من يسمع منكم” أجد أن الخطة التاسعة لا تضمن مشاركة أبناء المجتمع في صنع القرار ولا توجد بها استراتيجيات واضحة لتحقيق المساواة وبالتالي أؤكد أن خطة التنمية لن تحمي حقوق الإنسان ولن تؤدي إلى الاستقرار الاجتماعي، ففي الشأن الحقوقي لا يمكن للدولة أن تحمي حقوق الإنسان من دون وجود مؤسسات حقوقية مستقلة وغياب جلي لسيادة القانون وعدم محاسبة المفسدين والمنتهكين. الوضع الحالي يؤدي بنا إلى مزيد من الانتهاكات لحقوق الإنسان وهذا ما يمكن استقراؤه من سجل حقوق الإنسان الخاص بالمملكة في التقارير الدولية الذي يتحول من سيء إلى أسوء.

الحكومة السعودية بحاجة إلى عملية جراحية عاجلة بإقرار خطة إصلاحية لتمكين الشباب سياسياً وإقرار حق المشاركة الفعالة لتشمل معظم مناطق المملكة والقضاء على التمييز ضد المرأة والأقليات وذلك لبناء جيل سياسي يجعل الوطن صامداً وقوياً ويدفعه إلى مزيد من العدالة والحرية والمشاركة السياسية والمدنية، فالشباب في الوقت الراهن غير ممثل في جميع المناصب العليا أو المهمة في الدولة والتي جميعها تأتي بالتعيين، فلا وزراء ولا سفراء ولا مستشارين ولا نائب وزير ولا وكيل وزارة ولا أعضاء في مجلس الشورى ولا في المجلس الاقتصادي، بل يمكن القول أن في الحكومة السعودية أكثر من 2000 منصب رفيع المستوى تفتقد إلى عطاء الشباب. هذا التهميش سيزيد الاحتقان المتراكم في نفوس الشباب وسيشعر الشباب أن الحكومة غير قادرة على تلبية الحد الأدنى من مطالبهم وهذا يؤثر سلباً على الاستقرار في الوطن.

المؤسسات الحكومية لا سيما المرتبطة بالشأن السياسي تحتاج أن تضع برامجا فاعلة لتأهيل الشباب ليتمكنوا من العمل في المناصب السياسية القيادية، فلا فائدة من فتح أقسام في الجامعات السعودية تخرج طلبة العلوم السياسية ومن ثم يعملون في تخصصات أخرى، وهنا يمكن ملاحظة أن الموقع السياسي للسعودية ضمن دول العالم الـ 193 وخصوصاً في منطقة الشرق الأوسط المليئة بالصراعات، لم يلفت نظر وزارة التعليم العالي لتقرأ من خلاله الحاجة إلى كفاءات عالية في السياسة بحيث يكون تخصص السياسة ضمن التخصصات المتاحة لطلبة البكالوريوس والدراسات العليا ضمن برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي.

الدعوة لإشراك الشباب نساء ورجالاً في الحيز السياسي هو لاستثمار هذه الطاقات في تنمية الوطن ولكي يشعر بقية الشباب بالأمل لخدمة وطنهم في مختلف المستويات السياسية لنتخلص من فجوة الأجيال التي تراكمت لعقود كي نصنع وطناً أجمل عندما نرى شبابنا في مختلف المناصب لنكون مثل بقية المجتمعات التي شبابها اليوم يمارس أعقد المناصب السياسية وأصعبها بكفاءة ونجاح.

وختاماً أشيد بالخطوة التي أعلنها العاهل السعودي باقرار حق المرأة في الترشح والانتخاب في المجالس البلدية وأن تكون عضوا في مجلس الشورى وهذا أمر ايجابي ومحفز لمزيد من الاصلاحات وفي نفس الوقت ينبغي أن لا يكون القرار مخدراً للنساء بالتوقف عن المطالبة بإصلاحات أوسع، فلا زال الطريق طويلاً من دفع الحكومة لتحقيق المساواة والمشاركة السياسية الفعالة للمرأة والرجل، فمجلس الشورى لا يمكن أن يكون قويا من دون أعضاء منتخبين بصلاحيات واسعة، وعندما يغيب هذا العامل الرئيس فنحن أمام مجلس شورى لا يملك الإرادة القادرة على التغيير خصوصاً مع البيروقراطية الموجودة وغياب هامش الحريات ووجود القوى المعارضة، فمعظم ما يجري في المجلس من مناقشات هو محاط بالسرية وكأنه مجلس يناقش سياسة الأمن في البلاد ونسي أن للشعب حق أساس وهو الحق في الوصول إلى المعلومة والمشاركة في بناء أوطانهم.

نشر المقال في موقع المقال


الخميس، 18 أغسطس، 2011

ضعف الثقافة الحقوقية في السعودية .. من المسؤول ؟







·           عندما نتحدث عن حقوق الانسان فإننا لن نتحدث عن قضية هامشية بالنسبة للدولة يمكن تأجيل الاهتمام بها أو عدم اعطائها الأولوية ، الحديث عن حقوق الانسان هو حديث عن الأمن و التنمية و الحكم الرشيد ، لا يمكنني أجزم بعمق العلاقة بينهم لكن أستطيع القول بثقة أن احترام حقوق الانسان يمثل القلب النابض للحكومة في حركتها نحو التقدم و التطور نحو مستقبل أفضل . في هذا السياق يقول الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان " لا سبيل لنا للتمتع بالتنمية بدون الأمن ، ولا بالأمن بدون التنمية ، ولن نتمتع بأي منهما بدون احترام حقوق الانسان ، و ما لم يتم النهوض بكل هذه القضايا لن يتكلل تحقيق أي منهما بالنجاح " .

·           حقوق الانسان في عصرنا الحالي أصبحت مؤشر رئيس في تقييم حالة الدول ، فلا تجد كاتبا أو باحثا يتحدث عن دولة ما دون الاشارة إلى وضع حقوق الانسان ، بل وجدنا بعض الاتفاقيات الاقتصادية بين الدول تكون عرضة للالغاء إذا أخل أحد الطرفين باحترام حقوق الانسان ، فعلى سبيل المثال مشروع اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوربي و دول الخليج التي تم التفاوض عليها منذ 1991 لا زالت حتى الآن بعد مرور أكثر من 20 سنة لم يتم اقرار هذه الاتفاقية و أحد أسباب ذلك أن الاتحاد الأوربي يشترط أن تتضمن الاتفاقية عنصر احترام حقوق الانسان بينما دول الخليج ترفض تضمين ذلك في الاتفاقية !!!

·           المفاهيم الحقوقية بسبب ارتباطها الوثيق بجميع أو لنقل معظم الحقول المعرفية و الانسانية، وكونها عاملاً أساسياً في قياس الحالة الصحية للدولة والمجتمعات والأفراد، أصبح من اللازم على جميع مكونات الدولة العمل بجهد مضاعف في نشر المعرفة الحقوقية، لما تمثله المعرفة من صمام أمان للفرد والمجتمع والدولة وما تحققه من تطور وتنمية عندما يعيش الجميع تحت مظلة قانونية يحكمها العدل والمساواة.

·           كتابة القوانين وسن التشريعات تمثل الخطوة الأولى في تحقيق سيادة القانون خصوصا عندما يكون القانون منبثقاً من سلطة تمتلك إحدى مقومات الشرعية كما قسمها ماكس فيبر إلى ثلاثة أنوع «التقليدية، الكاريزمية، القانونية»، لكن هذه الخطوة لا يمكن ان تكتمل عندما تصطدم بحاجز الجهل عند الأفراد أو حائط الجهل المركب عند القائم على إنفاذ القوانين.

·           الخطوة الأهم في بناء مجتمع يقوم على القانون أن يشارك المواطنون في تشريع القوانين ، فلا يمكن أن يعزل المواطن من المشاركة في وضع ما ينظم حياة المجتمع و من ثم نطلب من المواطن أن يحترم و يطبق القانون ، المشاركة عنصر ضروري لتركيز القانون في المجتمع ، و بعد أن يُشَرَع القانون من سلطة شرعية يجب أن يملك أفراد المجتمع الوعي الحقوقي بما يتصل بحياتهم وشؤونهم الخاصة، واقناعهم بما يمثل القانون من أهمية في تحقيق النمو والتنمية المطردة وتعزيز حالة الأمن وتوفير السعادة للإنسان عندما يشعر أن حياته الشخصية وأفعاله محمية بالقانون.  و يمكن للمواطنين في أي وقت الاعتراض على القوانين أو المطالبة بالغائها بالطرق القانونية أو تشريع قوانين جديدة أو تعديل القوانين الحالية .. هذا جزء من صناعة المواطنة الفعالة التي تساعد في نهضة المجتمع و الوطن .

·           النقاط السابقة تعكس لنا أهمية الموضوع الذي نتحدث عنه لنعلم أن الجهود البشرية منذ أكثر من قرن من الزمان و إلى الان كان تركز على فكرة تعزيز و احترام حقوق الانسان و هذا ما تجلى على المستوى العالمي بتبني الأمم المتحدة ما اطلق عليه " عقد الأمم المتحدة للتثقيف في مجال حقوق الانسان 1995-2004 " ، و في عام 1995 طلبت الأمم المتحدة من كل الدول تقديم خطة عمل وطنية للتثقيف في مجال حقوق الانسان خلال عام 1995 ، ما أملكه من معلومات أن السعودية من الدول التي لم تنفذ خطة وطنية للتثقيف !!

·           السعودية من الدول العربية التي كان له السبق أن تكون أحد الاعضاء منذ تأسيس الأمم المتحدة في 24/10/1945 و بالتالي هي تلتزم بميثاق الأمم المتحدة الذي ينص في مبادئه على " تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعاً والتشجيع على ذلك إطلاقاً بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين ولا تفريق بين الرجال والنساء." و السعودية كعضو في الأمم المتحدة شارك في التصويت على وثيقة حقوقية عالمية و هي " الاعلان العالمي لحقوق الانسان 1948 " .

·           أول خيبة حقوقية هو امتناع السعودية عن التصويت بنعم للاعلان و هي لم تصوت بلا بل وقفت على الحياد مع 8 دول ، و من تلك اللحظة يمكن قراءة أن السعودية لم تكن مهيأة أن توافق على مواد الاعلان العالمي لحقوق الانسان و هذا يرجع بلا شك إلى طبيعة الثقافة السياسية و الدينية التي كانت سائدة في الأربعينيات و الخمسينيات و التي لا تزال حاكمة على طبيعة النظام .

·           في المقابل السعودية  سنت مجموعة من القوانين التي تنظم الجانب الحقوقي مثل ( نظام القضاء 1395هـ و من ثم اصدار النظام المعدل 1428هـ ، نظام ديوان المظالم 1402هـ و من ثم اصدار النظام المعدل 1428هـ ، نظام المرافعات الشرعية 1421هـ ، نظام الاجراءات الجزائية 1422هـ ، نظام المحاماة 1422هـ ، نظام العمل السعودي المعدل 1426هـ ، نظام المرور 1428هـ ، نظام السجن و التوقيف 1398هـ ) و أيضا انضمت السعودية إلى مجموعة من الاتفاقيات الدولية في مجال حقوق الانسان أبرزها ( اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة 2000م ، اتفاقية حقوق الطفل 2000 و البرتكولين الاضافيين الخاص باتفاقية الطفل عام 2010 و المتعلقان بـ " البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن اشتراك الأطفال في المنازعات المسلحة " وَ " البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن بيع الأطفال واستغلال الأطفال في البغاء وفي المواد الاباحية " ، اتفاقية الوقاية من التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللانسانية أو المهينة 1997 ، اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري 1997 ، اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة والبروتوكول الاختياري 2008 ، الاتفاقية الخاصة بمكافحة التمييز في مجال التعليم 1973 ، و فيما يخص مجال العمل انضمت السعودية إلى خمس اتفاقيات و هم : اتفاقية رقم 29 المتعلقة بالعمل الجبري أو الالزامي 1978، اتفاقية رقم 105 الخاصة بالغاء العمل الجبري 1978، اتفاقية رقم 100 بشأن مساواة العمال و العاملات في الأجر عن عمل ذي قيمة متساوية 1978 ، اتفاقية رقم 111 بشأن التمييز في الاستخدام و المهنة 1978، اتفاقية  رقم 182 بشان حظر أسوأ أشكال عمل الأطفال و الاجراءات الفورية للقضاء عليها 2001 ، أما على المستوى الاقليمي فالسعودية انضمت إلى الميثاق العربي لحقوق الانسان 2009 ) و هذه الصكوك الدولية من الناحية القانونية ملزمة للسعودية باحترامها و تنفيذها و هي تمكن الشخص الذي يقطن في السعودية أن يحتج بالمواد القانونية الواردة فيها أمام جهات القبض و التحقيق و المحاكمة ، بل إذا تعارضت مواد هذه الاتفاقيات الدولية بنصوص واردة في الانظمة المحلية ، فاعتمادا على قاعدة السمو القانوني فإن القانون الدولي أرفع منزلة من القانون المحلي ، و هذا يؤيده ما ورد في المادة (27) من اتفاقية فينيا لقانون المعاهدات 1969 و التي انضمت إليها السعودية في تاريخ 14 / 4 / 2003م وأصبحت نافذة المفعول في 14/5/ 2003م ، حيث نصت المادة " مع عدم الاخلال بنص المادة «46» لا يجوز لطرف فى معاهدة ان يتمسك بقانونه الداخلى كسبب لعدم تنفيذ هذه المعاهدة."

·           وجود القوانين خطوة في الطريق الصحيح نحو الانتقال إلى دولة القانون و لكن هذا لا يتم فقط بكتابة القانون على الورق ، كثير من المواد القانونية التي وردت في الانظمة السابقة لا تجد لها مكاناً للتطبيق ، و هذا إحدى المعوقات الاساسية في نشر ثقافة حقوق الانسان عندما يشعر المواطن أن التشريع لا يتحول إلى تنفيذ ، و بالتالي المواطن لا يشعر بأهمية كبيرة نحو معرفة حقوقه ما دام القائم على تنفيذ القانون لن يتقيد بالأنظمة و الطرق القانونية لردع منتهك القانونية. و هذا يؤكده ممارسات المواطنين اليومية و أكدته  لجنة القضاء على التمييز العنصري بالأمم المتحدة في التقرير الذي صدر عام 2003 تحت رقم «A/58/18» بالتركيز على أن العنصر القانوني وجوده لا يكفي، وعلى هذا أصدرت توصيات موجهة إلى الحكومة السعودية لسد هذا الخلل البنيوي والقانوني عند الحكومة بـالتأكيد على " أن مجرد النص في هذه القوانين على المبدأ العامل لعدم التمييز ليس استجابة كافية لمتطلبات الاتفاقية " وَ " تؤكد اللجنة على أن ضمانات عدم التمييز الموضوعة بموجب القانون، من دون آليات لرصد تطبيقها، لا تضمن وحدها التمتع بعدم التمييز " وفيما يخص جانب ممارسة التمييز الديني ذكرت " اللجنة قلقة إزاء التقارير التي تفيد بأن الأشخاص المنحدرين من بعض الأصول العرقية أوالإثنية غير قادرين على المجاهرة بمعتقداتهم الدينية ".

·           هنا أجزم ان المسؤولية القانونية و الاخلاقية و الادبية في نشر وتعزيز الثقافة الحقوقية  مسؤولية الحكومة خصوصاً إذا علمنا أن في دول العالم تقوم مؤسسات المجتمع المدني بجهد مكمل لدور الحكومة بل أحياناً تقوم بدور أكبر من دور الحكومة في تعزيز حقوق الانسان ، إلا أن السعودية لم تعط التصريح بقيام مؤسسات حقوقية مستقلة ، فضلاً أنها لم تقم بتصديق نظام الجمعيات و المؤسسات الأهلية الذي ينظم مسألة تكوين الجمعيات و هذا النظام معلق في مجلس الوزراء منذ عام 1428 هـ .

·           هذه المسؤولية تجلت في قرار العاهل السعودي في شوال 1430هـ بالموافقة على برنامج ثقافة حقوق الانسان و حدد المدة الزمنية له أربع سنوات ( 1431-1434هـ ) و تم ايكال مهمة تنفيذ البرنامج إلى هيئة حقوق الانسان الحكومية ، و بالرغم من هذا القرار  مضى عليه ما يقارب السنتين إلا أن هيئة حقوق الانسان لم تقم بأي دور في هذا الاطار ، و اقتصر دور الهيئة على تجميل وضع حقوق الانسان في الخارج و اقامة ندوة هنا أو هناك .

·           و هذه المسؤولية تجلت في انشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في مارس 2010  ، فالفساد حسب منظمة الشفافية الدولية " ينتهك حققوق الانسان من خلال تشويه طريقة عمل المؤسسات و العمليات السياسية أو جعلها عديمة الفائدة و يقوض أداء القضاء و أجهزة تطبيق القانون كما ينتهك الفساد الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية من خلال الحرمان من المساواة في توفير الخدمات العامة كالرعاية الصحية و التعليم و وضع عقبات أمام كسب المعيشة في القطاع العام و الخاص و تحريف عملية اتخاذ القرارت بشأن تخصيص الموارد .".

·           اما الجمعية الوطنية لحقوق الانسان فدورها اقتصر بشكل رئيس على استقبال الشكاوى و مخاطبة الجهة بالفاكس و عمل تقرير سنوي احصائي بعدد الشكاوى التي وصلتها ، و هي قامت للأمانة في طباعة نشرات حقوقية في هذا الاتجاه و عمل تقرير عن حالة حقوق الانسان في السعودية لمدة عامين و توقف هذا التقرير!! ، إلا أن هذا العمل أقرب تشبيه له ما ذكرته الناشطة الحقوقية عالية فريد بأن عمل كل من هيئة حقوق الانسان و الجمعية الوطنية أشبه بصناديق البريد !! العمل الحقوقي لا يكتفي بايصال الشكوى بل يقوم بتحليل الشكوى و توظيف جميع الامكانيات و المهارات للحد من هذه الانتهاكات ، و ما نراه اليوم هو مثل ساعي البريد الذي يوصل الشكاوى من دون حتى القيام بالضغط على الجهة المنتهكة في أقل التقادير في الرد على الشكوى فضلاً عن ردعها !!

·           أما على مستوى تعاون السعودية مع المؤسسات الحقوقية الدولية فهو مخيب أيضا ، فالسعودية تمنع حاليا المؤسسات الحقوقية مثلاً ( هيومان رايتس ووتش آخر زيارة لها عام 2008 ، منظمة العفو الدولية ) من أن تزور السعودية لعمل تقارير حقوقية من الداخل و فيما يخص تعاونها مع ما يطلق عليه المقررين الخاصيين في مجلس حقوق الانسان بالأمم المتحدة ، نجد أن السعودية امتنعت من أن تعطي تصريح بزيارة كلاً من
1- المقرر الخاص المعني بالتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة .

 2- المقرر الخاص بالاتجار بالبشر .

3- المقرر الخاص بالاعدام خارج نطاق القضاء أو باجراءات تعسفية .

4- المقرر الخاص بحرية الدين أو المعتقد .

5- المقرر الخاص بحرية الرأي و التعبير .

6- الفريق العامل المعني بالاعتقال التعسفي .

و مجرد النظر في أسماء المقرريين الذين طلبوا زيارة السعودية يمكن للشخص أن يعرف أن هناك انتهاكات صارخة تحدث في هذه المجالات مما استدعى من المقررين أن يطلبوا زيارة السعودية و منعهم من الزيارة يعكس عدم رغبة السعودية في الاستفادة من الخبرات الحقوقية من المنظمات الدولية العاملة في مجال حقوق الانسان .

·           نخلص إلى أن السبب الأول و الرئيس في ضعف الثقافة الحقوقية هو الحكومة في ظل منع مؤسسات المجتمع المدني بالسماح لها للقيام بمهماتها في هذا المجال ، و عدم قيام الحكومة بجهد في بناء مجتمع حقوقي ، و هذا الأمر امتد إلى مؤسسات الدولة فتجد كثير من القائمين على تنفيذ القوانين غير مطلعين على القوانين التي تنظم عملهم و ممارساتهم و هذا يعكس احباط آخر عندما يكون القانون مقرر لكن المسؤول عن تنفيذه لا يعلم به و إذا علم تجاهل العمل به لجهل المجتمع و لأنه يأمن العقوبة في تجاوزه الأنظمة .

·           و فضلاً عن مشكلة عدم تنفيذ القوانين هناك مشكلة تكمن في عدم وجود قوانين لها علاقة لصيقة بقضايا الناس ، فلا زلنا نفتقد لنظام الأحوال الشخصية ، و نظام العقوبات ، و اللائحة التنفيذية لنظام الاجراءات الجزائية و بالمناسبة نظام الاجراءات الجزائية اقر في عام 1422 و النظام التفسيري الخاص به لا زال حبيس الادراج و هذا أدى إلى تكوين اجتهادات متعددة في تنفيذ المواد القانونية لعدم وجود مرجعية قانونية يرجع إليها الجميع .

·           العامل الثاني في وجهة نظري هي فئة المحامين باعتبارهم إحدى الفئات التي لديها دراية بالأنظمة و التشريعات و لكن كما يظهر لي أن المحامين يجدوا أن تثقيف الناس بالثقافة الحقوقية يتعارض مع مصالحهم ، و بالتالي نادرا ما تجد محامي يقوم بأداء الدور التثقيفي . بالمناسبة على مستوى القطيف لدينا فقط 5 محاميين لديهم رخصة محاماة و هذا يحيلنا إلى العامل الثالث ...

·            ان المجتمع القطيفي وهو كبقية أطياف الوطن لم يقم البناء الاجتماعي له على الاهتمام بالقانون بل كثيراً ما كان يجد في الوجهاء جهة لحل مشاكلهم القانونية و هذا وجدنا انعكاسه في عدم دفع ابناء المجتمع ابنائهم لدراسة القانون أو نفس الطالب لا يرى في دراسة القانون أي مستقبل ، و على المستوى الثقافي هناك حراك جميل على مستوى المقالات لكن لا زال على مستوى المؤلفات معدوم ، اما على المستوى الديني فالاهتمام بهذا الحقل مغيب باستثناء عدد محدود من الخطب المنبرية لا تتجاوز أصابع اليد ، فلا الخطباء في مواسم شهر محرم و رمضان يتطرقوا إلى هذا الموضوع و لا في خطب الجمعة و الان في موسم الصيف الفعاليات الدينية من دورات دينية لا نجد للثقافة الحقوقية موطأ قدم ، نخلص أم الأماكن الرئيسية لصناعة الوعي بحقوق الانسان لا تهتم بهذا الجانب!! .

·           مجتمع الأقلية يجب أن يكون متحفزا لدولة القانون و المؤسسات لأنه معرض أكثر من غيره للظلم و التمييز ، و سلاح القانون هو من أهم الادوات المهمة نحو الدفع بالمساواة و العدالة .

·           الاقليات لهم حقوق تناثرت في مجموعة من الاتفاقيات الدولية و أيضا هناك " إعلان بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنية وإلى أقليات دينية ولغوية " حاول جميع حقوق الاقليات ، و هناك اهتمام دولي بقضايا الاقليات فالأمم المتحدة تقوم بعمل مؤتمر دولي كل سنتين يناقش الاشكاليات التي تعيق اندماج الاقليات مع باقي المجتمع و محاولة وضع تصور لكيفية التغلب على ذلك .

·           الاهتمام الذي يوليه المجتمع الدولي بالأقليات سببه أن الأقليات في العالم تعيش حالة من التمييز والاقصاء وأحيانا يصل إلى عزلها عن المشاركة كليا، وهذا أدى إلى بذل جهود كثيرة في تحديد المفاهيم ووضع القوانين التي تحفظ وتعزز حقوق الأقليات، وهذه الحقوق إن كانت لها أهمية في الدول الديمقراطية فكيف بالدول التي تتعامل مع الأقليات تارة بأنهم أشخاص لا حقوق لهم أو طبقة ثانية أو ثالثة، أو تنظر لهم من زاوية أمنية بحيث تجعل من انتهاكها للحقوق الخاصة بهم أمرا مبرراً ومشروعاً، وهذا ما ترفضه جميع الاتفاقيات والعهود والاعلانات الدولية في مجال حقوق الانسان .

·           إحدى المحبطات التي تعيق بروز النزعة الحقوقية في المجتمع هو شعورهم أن الحقوق السياسية و المدنية لا وجود لها ، بل في كثير من الاحيان لا يوجد نصوص قانونية يمكن الاتكاء عليها للمطالبة بها ، و من أهم الاتفاقيات التي نظمت الحقوق السياسية و المدنية هو العهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية ، و هنا يشعر المرء بصدمة نتيجة أن الحقوق السياسية و المدنية لا يمكن للمواطن الاتكاء على البنود القانونية الواردة في العهد و أي مطالبة سياسية أو مدنية تعتبر من المحظورات .

·           في ظل المعطيات الحالية من تغييب مؤسسات المجتمع المدني و عدم مشاركة المواطن في صناعة القوانين الملائمة و غياب دور الحكومة في القيام بواجبها من دفع عجلة سيادة القانون و المساواة و تثقيف المجتمع بحقوقه نتج عن ذلك أن الوضع الحقوقي في السعودية كما تشير له التقارير الدولية في مستوى متدن جداً .

·            ففي التقرير الذي صدر قبل أشهر من منظمة فريدوم هاوس تحت عنوان أسوء السيئين  " Worst of the Worst 2011 " و التقرير قام بدراسة مستوى الحريات السياسية و المدنية في دول العالم فخرج بنتيجة أن هناك 17 دولة في العالم هم أسوء السيئين و كانت السعودية واحدة من الدولة الـ 17 .

·           و كذلك في التقرير الذي يصدره كل من مجلة فورن بولسي و صندوق السلام لعام 2011 تحت عنوان " مؤشر الدول الفاشلة " ففي عنصر حقوق الانسان و سيادة القانون كان ترتيب السعودية 165 من 177 شملهم التقرير .

·           فيما يختص المرأة وجدنا التقرير الذي يصدره المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2010 عن الفجوة الجندرية بين الرجل و المرأة السعودية كان ترتيب السعودية 129 من 134 دولة تتضمنها التقرير .

·           أما في مجال الحريات ففي التقرير السنوي لعام 2010 لمنظمة مراسلون بلا حدود ، فقد كان ترتيب السعودية في مجال حرية التعبير 157  من 178 دولة ، و أما في حرية الانترنت فقد وصفت المنظمة السعودية بانها من أعداء الانترنت .

·           أما على مستوى الانظمة المحلية فقد وجدنا كثير من القوانين التي تتعارض مع المعايير الدولية لحقوق الانسان ، فكلنا نسمع بالجدل الدائر في السعودية فيما يرتبط بقضايا الموقوفين الذين مضى عليهم سنوات بلا محاكمة و هو ما يناقض المادة 114 من نظام الاجراءات الجزائية التي تنص على أنه إذا أمضى الموقوف ستة أشهر و لم يتم توجيه المتهم إلى المحكمة يتم الافراج عنه ، و لكن هذه المادة لا تجد لها محلاً للتطبيق ضمن جهات الضبط و يبقى الموقوف لسنوات بلا محاكمة . هذه المادة هي في الحقيقة مخالفة لمعايير القانون الدولي لحقوق الانسان فيما يرتبط بمدة الايقاف و شرعية الايقاف ، و أيضا ما ورد في مشروع النظام الجزائي في تمويل الإرهاب المادة الثامنة التي أعطت صلاحية الإعتقال الاحتياطي بأمر من جهة التحقيق بحد أقصى سنة ، هاتان المادتان لا يمكن أن تتوافق مع المعايير الدولية حتى في حالة الطوارئ ، باعتبار أن المتهم يفتقد لجهة قضائية تحدد شرعية الاحتجاز من عدمه فضلاً أن مدة التوقيف لا تتناسب مع معايير المحاكمة العادلة التي تقتضي أن تكون المحاكمات بأسرع وقت ممكن، و هذا الرأي هو ما أشارت إليه اللجنة المعنية بحقوق الإنسان بالأمم المتحدة إذا ذكرت في تعليقها على إحدى القضايا " أن الفاصل الزمني بين لحظة توقيف متهم و اللحظة التي يقدم فيها إلى سلطة قضائية لا ينبغي أن تتجاوز أياماً قليلة " ، و أما ما يختص بالمدة القانونية التي تسبق المحاكمة فقد أشارت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان بأن " الحد الزمني المتمثل في ستة أشهر بالنسبة للاحتجاز السابق للمحاكمة أجل طويل جداً ." .
·           من العناوين السابقة يمكن معرفة من هو المسؤول عن ضعف الثقافة الحقوقية في السعودية .

* الكلمة التي ألقيتها في حسينية الناصر بمدينة سيهات يوم الثلاثاء الموافق 9 / 11 / 2011

أمن أقل سياسة أكثر


اقتبس العنوان من الباحث ويفر (Ole Waever) الذي أثرى الساحة المعرفية بكتاباته في مجال الأمن ، و الذي يرى أن تغليب النظرية الأمنية على النظرية السياسية هو أمر لا يصب في مصلحة الدولة ، بل لا ينبغي حتى الموازنة بين السياسة و الأمن ، إذ يجب تغليب العامل السياسي على الأمني لتقوية أركان الدولة و الدفع بها نحو التطور و التقدم. الواقع العربي الحالي خير شاهد لتقوية هذه الفكرة ، فالقبضة الأمنية في تونس و مصر رغم قسوتها على مدى أكثر من خمس وعشرين سنة إلا أن الشعوب و إن قبلت بالحلول الأمنية في وقت من الأوقات إلا أن ذلك لن يستمر طويلا و إن استمر فهو يخلق حالة من الاحتقان عند الناس يزداد يوماً بعد يوم إلى أن تأتي لحظة الانفجار .

هذا ما تنبه له الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان عام 2005 عندما قدم تقريرا رائعاً بعنوان " في جو من الحرية أفسح: صوب تحقيق التنمية، والأمن، وحقوق الإنسان للجميع " إلى الدول الأعضاء في الأمم المتحدة و التقرير كان نتيجة تكاتف جهود 266 خبيرا فذكر في التقرير " لا سبيل لنا للتمتع بالتنمية بدون الأمن ، ولا بالأمن بدون التنمية ، ولن نتمتع بأي منهما بدون احترام حقوق الإنسان ، و ما لم يتم النهوض بكل هذه القضايا لن يتكلل تحقيق أي منهما بالنجاح " . و هذا يعكس أن عالم اليوم أصبح أكثر ميلاً إلى الحرية و العدالة و أن القيود الأمنية لا يمكن لها أن تقيد رغبات المجتمع و على هذا وجدنا أن التضحية بالروح -وهي أغلى شيء عند الأنسان- أمر يتسابق إليه الشباب الثائر اليوم لأجل نيل الحرية و الكرامة . و هنا يمكن ملاحظىة أن إحدى نقاط التقاطع في الدول العربية التي ثار شعوبها أن السلطة الأمنية هي التي تتحكم في مصالح الناس و بذلك أصبح دور السياسي قليل التأثير و الفعالية .

وزير الخارجية التركي أحمد اوغلو في كتابه القيم ( العمق الاستراتيجي ) أشار إلى نقطة جديرة بالاهتمام في الشأن السياسي بالقول " إذا لم تتم الاستجابة لمطالب الجيل الجديد الذي تلقى معظم التعليم في الغرب بالمشاركة السياسية و إذا لم تتحقق عملية تحول و بناء مؤسسي سليم فستشهد تلك الدول تدهوراً خطيراً على المدى المتوسط " هذه الجزئية من الكتاب منذ عام 2001 و نرى آثارها في عام 2011 و الكلام السابق يحفز الحكومات على اشراك الشباب في الشأن السياسي و إلا سيلجأ الشاب إلى طرق أخرى لانتزاع هذا الحق ، و الناظر في عالمنا العربي سيجد أن المشاركة السياسية هي محدودة جداً ، و ضمن هذه المحدودية لا يجد الشباب العربي طريقاً للوصول إلى المواقع السياسية و الذي أدى إلى تأصيل فكرة التهميش السياسي عند المواطن العربي لا سيما الشباب الذين يمثلون نسبة عالية من مجمل السكان في العالم العربي .

الحكومات العربية مطالبة بإعادة خريطة العلاقات مع شعوبها باشراك الشباب في العملية السياسية فهم قوة فاعلة ثائرة وهذا ما أشارت إليه المديرة العامة لليونسكو إيرينا بوكوفا في اليوم العالمي للشباب الذي يصادف 12 اغسطس بالقول "لقد بينت انتفاضات الشباب التي تجتاح العالم العربي قدرة الشباب على دفع عجلة التغيير، فقد هز النضال من أجل المشاركة الديمقراطية بعض الأنظمة وأظهرت قوة التطلع لحقوق الإنسان والحريات الأساسية". .

جريدة البلاد
16 / 8 / 2011




توأمة حقوق الإنسان و الأمن



تكييف القوانين المحلية مع معايير القانون الدولي لحقوق الإنسان و القانون الإنساني الدولي من الأمور التي أصبحت بحكم الضرورة القصوى التي على الدول الإلتزام بها ، في السعودية قامت الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان بعمل دراسة غير استقصائية عن " مدى إنسجام الأنظمة السعودية مع إتفاقيات حقوق الإنسان الرئيسية " و هو جزء من مسؤوليات المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان حسبما نصت عليه مبادئ باريس بأن تقوم المؤسسة الوطنية بـ " تعزيز وضمان التناسق بين التشريع واللوائح والممارسات الوطنية والصكوك الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان التي تعتبر الدولة طرفا فيها والعمل على تنفيذها بطريقة فعالة." .

من التقارير الجميلة التي قامت بها الجمعية الوطنية هو " معتقل غوانتانامو و انتهاكات حقوق الإنسان " في مقدمة التقرير أشار الرئيس السابق للجمعية والنائب الحالي لرئيس مجلس الشورى الدكتور بندر حجار إلى نقطة مهمة  بالتأكيد ان موقف الجمعية الوطنية لحقوق الانسان يدعو " إلى إغلاق المعتقل و إعادة المعتقلين إلى أوطانهم ، أو إحالتهم إلى القضاء و من تثبت براءته يطلق سراحه دون شرط أو قيد مع الإعتذار له و لأسرته ، و من يدان يعاقب وفقاً للقوانين و الاتفاقيات الدولية . هذا الموقف المتوازن يحافظ على حق الحكومة الأمريكية في حماية المجتمع الأمريكي من الإرهاب و الإرهابيين و لا يفرط في الوقت نفسه بقيم العدالة و سيادة القانون و احترام حقوق الإنسان بدعوى مكافحة الإرهاب " . 

ما أشار له الدكتور حجار هو مثار اهتمام العالم في عملية الموازنة بين حقوق الإنسان و مكافحة الإرهاب ، و هناك اجماع دولي أن الدولة ملزمة بـ " حماية حقوق الإنسان و التمسك بسيادة القانون أثناء مكافحة الإرهاب " كما ورد في استراتيجية الأمم المتحدة العالمية لمكافحة الإرهاب التي اعتمدتها الجمعية العامة في سبتمبر 2006 . و هذا يحرضنا على الدفع نحو تشريع أنظمة تنسجم مع القوانين الدولية في مجال حقوق الإنسان  ، باعتبار أن المتضرر من الإرهاب هو جميع مكونات الدولة و رأي الشعب ضروري في وضع تصور نحو معالجة الإرهاب في السعودية ، و أن تغليب الرأي الأمني الذي يعتقد أن حفظ مصالح الحكومة يكمن في فرض مزيد من الاجراءات بدعوى الخصوصية هو رأي يحتاج إلى مراجعة كي لا نقع في أخطاء بسبب ممارسات غير قانونية و يكون وطننا عرضة للانتقادات الواسعة من العالم .

و لتقريب الصورة نأخذ المادة (114) من نظام الاجراءات الجزائية التي حددت مدة الإعتقال الاحتياطي كحد أقصى بستة أشهر ، و أيضا ما ورد في مشروع النظام الجزائي في تمويل الإرهاب المادة الثامنة التي أعطت صلاحية الإعتقال الاحتياطي بأمر من جهة التحقيق بحد أقصى سنة ، هاتان المادتان لا يمكن أن تتوافق مع المعايير الدولية حتى في حالة الطوارئ ، باعتبار أن المتهم يفتقد لجهة قضائية تحدد شرعية الاحتجاز من عدمه فضلاً أن مدة التوقيف لا تتناسب مع معايير المحاكمة العادلة التي تقتضي أن تكون المحاكمات بأسرع وقت ممكن، و هذا الرأي هو ما أشارت إليه اللجنة المعنية بحقوق الإنسان بالأمم المتحدة إذا ذكرت في تعليقها على إحدى القضايا " أن الفاصل الزمني بين لحظة توقيف متهم و اللحظة التي يقدم فيها إلى سلطة قضائية لا ينبغي أن تتجاوز أياماً قليلة " ، و أما ما يختص بالمدة القانونية التي تسبق المحاكمة فقد أشارت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان بأن " الحد الزمني المتمثل في ستة أشهر بالنسبة للاحتجاز السابق للمحاكمة أجل طويل جداً ." .

تصحيح القوانين الوطنية و الاستفادة من الخبرات الدولية في مجال حقوق الإنسان عند تشريع قوانين جديدة ينسجم مع الحركة الاصلاحية التي بدأت في القضاء ، و بالتأكيد تعديل و تشريع قوانين تتوافق مع المعايير الدولية يصب في مصلحة الوطن لما للقانون المنصف من دور بارز في تحقيق النمو و الازدهار و شعور الجميع أن القانون يحقق العدالة في أجلى صورها .  

جريدة البلاد
9 / 8  /2011