الأربعاء، 27 مايو، 2015

خطر الطائفية في بيانات المثقفين السعوديين



تعرض السعوديين الشيعة خلال السبعة أشهر الماضية إلى جريمتين طائفيتين الأولى بتاريخ 10 محرم 1436هـ الموافق 3 نوفمبر 2014 م عندما اطلق مجموعة من المسلحين النار على مواطنين شيعة في حسينية المصطفى بقرية الدالوة بالاحساء مما نتج عن ذلك استشهاد ثمانية أشخاص وجرح 28 شخصا والثانية في 3 شعبان 1436هـ الموافق 22 مايو 2015 حدثت عملية انتحارية في مسجد الامام علي (ع) بالقديح في محافظة القطيف مما ادى إلى استشهاد 21 شخصا والجرحى 88 شخصا .
ما جرى كان أحد أسبابه الرئيسية هو التحريض الطائفي الذي يمارس ليلا ونهارا من قبل التيار السلفي في السعودية ، وهو الأمر الذي كان مثار قلق عند النخبة السعودية وهو ما انعكس على البيانات الاصلاحية التي أصدروها في مراحل زمنية مختلفة ابتداء منذ عام 2003 م سنجد اشارات جلية واعتراف أن هناك مشكلة طائفية في السعودية تأخذ وجوه مختلفة وتحتاج إلى المعالجة الفورية حفاظا على الاستقرار السياسي والاجتماعي والوحدة الوطنية .

هنا بعض المقتطفات من بعض البيانات فلو تم وضع الحلول للمشكلة منذ 2003 لم نصل إلى ما وصلنا إليه في 2015 وذلك ليس بمنع كل التجاوزات الطائفية وإنما بالقضاء على نسبة كبيرة منها وصولا إلى علاج كلي للمسألة الطائفية خلال عقدين او ثلاثة عقود .


اسم البيان : رؤية لحاضر الوطن ومستقبله
التاريخ :  يناير 2003  
تأكيد دور الدولة والمجتمع في إشاعة ثقافة حقوق الإنسان التي أمرت بها الشريعة، كالتسامح والإنصاف والعدل واحترام حق الاختلاف، ودعم الوحدة الوطنية، وإزالة عوامل التفرقة والتمييز مذهبية كانت أو طائفية أو مناطقية أو اجتماعية.
اسم البيان : وثيقة شركاء في الوطن
التاريخ : أبريل 2003
تعاني بلادنا من وجود توجهات مذهبية تعصبية تثير الكراهية والبغضاء تجاه المذاهب الإسلامية الأخرى وأتباعها، وخاصة الشيعة، وتشيع الازدراء بهم، وتصل إلى حد التحريض عليهم واستهداف وجودهم ومصالحهم.
وتستفيد هذه التوجهات التعصبية من نفوذها ومواقعها الرسمية. فمناهج التعليم الديني في المدارس والجامعات يتكرر فيها وصف المذاهب الإسلامية الأخرى وآرائها -من الشيعة وغيرها- بالكفر والشرك والضلال والابتداع.
والبرامج الدينية في وسائل الإعلام الرسمية محتكرة لاتجاه مذهبي واحد يبث ثقافة الرفض للمذاهب الإسلامية الأخرى، والإساءة لمعتنقيها. وينطبق ذلك على غالب المؤسسات الدينية في البلاد كالمحاكم الشرعية، وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومراكز الدعوة والإرشاد.
إن فتاوى تحريضية كثيرة قد صدرت من بعض هذه الجهات ضد المواطنين الشيعة، كما أن عددا كبيرا من الكتب والنشرات قد طبعت ووزعت -ولا تزال تطبع وتوزع- في هذا الاتجاه، فضلا عن الخطب والمحاضرات المتواصلة.
إن هذا الشحن الطائفي المستمر قد ربى أجيالا على التعصب والحقد، وخلق أجواء من الكراهية والنفور بين أبناء الوطن الواحد مما يثير القلق على مستقبل الوحدة الوطنية والسلم والأمن الاجتماعي. وقد تستفيد قوى خارجية من تغذية هذه الأجواء واستثمارها ضد مصالح بلادنا، وليس بعيدا عنا ما حصل في بلدان إسلامية أخرى من احتراب أهلي وصراعات طائفية عنيفة.
في مواجهة هذا الواقع الخطير، نأمل من الدولة ما يلي:
·         وضع حد لهذه التوجهات والممارسات التعصبية، بدءا من مناهج التعليم ووسائل الإعلام وما يصدر عن المؤسسات الدينية الرسمية.
·         اعتماد سياسة وطنية تثقيفية تبشر بالتسامح والاعتراف بالتعدد المذهبي القائم فعلا في البلاد، وتأكيد الاحترام لحقوق الإنسان وكرامة المواطن وحريته الدينية والفكرية.
·         إقرار إجراءات رادعة لتجريم وإدانة أي شكل من أشكال التحريض على الكراهية بين المواطنين، والإساءة لمذاهبهم الإسلامية المختلفة.
·         صدور إعلان صريح من قيادة هذه البلاد يؤكد احترام حقوق الشيعة في المملكة ومساواتهم مع بقية المواطنين.


اسم البيان : دفاعا عن الوطن
التاريخ : سبتمبر 2003
العمل على تطوير خطاب ديني واعلامي وثقافي وتعليمي، يرفض الأحادية والتكفير والادعاء بامتلاك واحتكار الحقيقة، ويسهم في تطوير مناخ التعددية واتاحة المجال لترسيخ قيم ثقافة التسامح والقبول بالآخر المختلف، سواء ضمن الدائرة الوطنية والاسلامية أو على الصعيد الانساني، وأن تلك الآراء والمطالب قد عبرت عن تطلعات مختلف فئات الشعب السعودي، وشكلت - في مجملها- رؤية مشتركة بين القيادة السياسية ومختلف الفعاليات الوطنية.

اسم البيان : رسالة شباب 23 فبراير
التاريخ : فبراير 2011
 تطوير مناهج التعليم في مختلف التخصصات على ايدي المتخصصين، بما يضمن اشاعة روح التسامح، والوسطيّة، وتنمية المهارات المعرفيّة ، للإسهام في تحقيق التنمية الشاملة، مع التأكيد على ضرورة استمرار المراجعة الدوريّة لها. ودعم المناشط الطلابيّة غير الصفيّة.

اسم البيان : إعلان وطني للإصلاح
التاريخ : مارس 2011
إصدار قانون يحرم التمييز بين المواطنين، لأي سبب وتحت أي مبرر، ويجرم أي ممارسة تنطوي على تمييز طائفي أو قبلي أو مناطقي أو عرقي أو غيره، كما يجرم الدعوة إلى الكراهية لأسباب دينية أو غيرها. ووضع إستراتيجية اندماج وطني، تقر صراحة بالتعدد الثقافي والاجتماعي القائم في المجتمع السعودي، وتؤكد على احترامه، وتعتبره مصدر إثراء للوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي. نحن بحاجة إلى إستراتيجية فعالة للاندماج الوطني تعالج وضع الشرائح التي تتعرض للإقصاء والتهميش أو انتقاص الحقوق لأي من الأسباب المذكورة أعلاه، وتعويضها عما تعرضت له في الماضي.

اسم البيان : بيان الشباب السعودي بخصوص ضمان الحريات و أدب الاختلاف
التاريخ : مارس 2012
ان عودة ثقافة التحريض التي ما زال يمارسها البعض، ضد من يختلف معهم فكريا، والسعي لإلغائه والتحريض عليه سياسيا وأمنيا، والتشكيك في ديانته ووطنيته، لهو أمر مؤلم، ولا يبشّر بخير، وسيدخل الحراك الديني والثقافي والتنموي والتربوي إلى لُجة الصراعات السلبية مرة أخرى، والتي لا تعود للوطن ولا للمواطن بخير ولا نفع.
لقد عاش الجيل الذي قبلنا في العقدين الماضيين في متاهات هذه الصراعات التصفوية المتناحرة، والتي كان يسعى فيها كل تيار إلى إلغاء التيار المخالف له بكل الوسائل اللاأخلاقية.. الأمر الذي أدى إلى انحراف الخطاب الديني والثقافي عن القضايا الجوهرية الكبرى التي تهم وتلامس مصلحة الوطن والمواطن، والانزلاق في قضايا جزئية حزبية فئوية ضيقة.

إننا نحن الجيل الشبابي اليوم، نستنكر ونرفض بشدة عودة هذه الثقافة الصراعية الإقصائية التحريضية، والتي لا تؤمن بالتعددية، والحرية المسؤولة، والمجتمع المدني، والوطن الواحد الذي يسع ويحتوي الجميع بكل ألوانه وأطيافه، فعودتها تعني أن الخاسر الأكبر هو: الوطن.

السبت، 16 مايو، 2015

السعوديون الشيعة بين الإصلاح وداعش

 
 
 
السعوديون الشيعة أصبحوا هدفا فعليا معلنا للتنظيمات التكفيرية، ففي عام 2004م خطط تنظيم القاعدة لاغتيال الشخصية الشيعية الأبرز في السعودية الشيخ حسن الصفار، مما جعل وزارة الداخلية تقوم ببعض الاحتياطات الأمنية لعدم وقوع الحادثة وإبلاغ الشيخ الصفار عن وجود هذا المخطط لكي يأخذ الحيطة والحذر، وتم إفشال العملية والقبض على الخلية، وتم تحويلهم للمحاكمة ونشرت الصحافة السعودية عن هذا المخطط والذي كان يستهدف إثارة الفتنة السنية الشيعية في السعودية.
 
ومما نقلته صحيفة الرياض في العدد (15807) بتاريخ 4 أكتوبر2011م: “أعلنت ولأول مرة في الرياض أمس عن مخططات خطيرة الأهداف والنوايا كانت أجهزة الأمن قد أجهضتها مسبقا والقبض على عناصرها الـ (17) حيث خططت هذه الخلية بإيعاز من (أبو وليد) المتواجد في سوريا لاغتيال شخصية اجتماعية معروفة تنتمي للمذهب الشيعي في المملكة بهدف إثارة الشيعة في المملكة والدفع بهم للقيام بعمليات انتقامية مما يشتت جهود رجال الأمن -وفق تخطيط واعتقاد عناصر هذه الخلية- عن ملاحقتهم وكذلك لخلق “فتنة” داخل المملكة وجبهة جديدة للأجهزة الأمنية حتى يستطيعوا بعدها التحرك بسهولة وتنفيذ مخططاتهم الإرهابية داخل المملكة كما يريدون. وتشير المعلومات حول هذا المخطط “الخبيث” أن مخطط الاغتيال كان في مراحله الأخيرة وقد تولى العملية المتهم الـ 14 في الخلية وتم تبريرها بأن هذه الشخصية الشيعية السعودية تدعم المليشيات الشيعية في العراق ضد أهل السنة -بزعمهم- وأنه على علاقة بحزب الله اللبناني وقد قام هذا المتهم بجمع معلومات دقيقة عن هذه الشخصية وتحركاتها كما قام بالاتصال بمكتبه وجمع بعض المعلومات بحجة وجود زوار يريدون مقابلته، ثم قام هذا الشخص برسم مخطط الاغتيال وتحميله على c.d وإرساله مع مخطط عملية اخرى لأبي وليد في سوريا”.
 
وفي فبراير 2014، نشرت الحكومة الأمريكية عددا من الوثائق التي كانت بحوزة أسامة بن لادن، وفي إحدى الوثائق التي كانت مرسلة من عطية (ربما المقصود القيادي البازر في تنظيم القاعدة جمال إبراهيم اشيتيوي الملقب بالشيخ عطية الليبي) إلى أسامة بن لادن ومما ورد فيها: “بالنسبة للكلام عن الرافضة وخطرهم والخطر الإيراني الصفوي المجوسي، فكلامك الذي أرسلتموه طيب ونحن بصدد إرساله لبعض أهل العلم كما اقترحتم، فأما حامد العلي فأمره سهل وبإمكاننا إرساله له بسهولة بحول الله، لكن نخطط لإرساله إلى جماعة آخرين، والله المولى. طبعا بالنسبة لحامد العلي، فهو ومن حوله كما يقال (لا توصي يتيم على بكاء) فهم مهتمون بأمر الرافضة وخطرهم اهتماما كبيرا ومبالغون فيهم حتى، فقد كانوا يكتبون لنا ويلوموننا على أننا مقصرون في الشأن الرافضي وتصور الخطر الرافضي الإيراني وما شابه، وكانون يقولون: الخطر الرافضي أشد من الخطر الأمريكي”. وكانت هذه الرسالة بتاريخ 11 يونيو 2009م.
 
وفي العاشر من نوفمبر لعام 2009، أصدرت مؤسسة الملاحم للإنتاج الإعلامي التابع لتنظيم القاعدة تسجيلا صوتيا للقيادي محمد عبد الرحمن الراشد بعنوان “إني لكم ناصح أمين” وتطرق إلى الأولويات القتالية للتنظيم وكانت كالتالي: أمريكا وحلف شمال الأطلسي أولا، ومن ثم الشيعة، وأخيرا الحكام الطغاة.
 
وأخيرا أصدرت مؤسسة الفرقان للإنتاج الإعلامي التابع للدولة الإسلامية تسجيلا صوتيا لزعيم التنظيم أبي بكر البغدادي في 13 نوفمبر 2014م بعنوان “ولو كره الكافرون” ومما ذكره: “يا أبناء الحرمين يا أهل التوحيد يا أهل الولاء والبراء، إنما عندكم رأس الأفعة ومعقل الداء، ألا فلتسلوا سيوفكم ولتكسروا أغمادكم، ألا فلتطلقوا الدنيا.. سلوا سيوفكم وعليكم أولا بالرافضة حيثما وجدتموهم ثم عليكم بآل سعود وجنودهم قبل الصلبيين وقواعدهم، عليكم بالرافضة وآل سعود وجنودهم، مزقوهم إربا، وتخطفوهم زرافات ووحدانا، نغصوا عليهم عيشهم وأشغلوهم عنا بأنفسهم واصبروا ولا تتعجلوا وعما قريب تصلكم طلائع الدولة الإسلامية”.
 
السعوديون الشيعة 
 
حدد البغدادي زعيم الدولة الإسلامية الاستراتيجية القتالية بأن الأولوية هي قتل الشيعة، ولكون السعودية أهم دولة مستهدفة والتي أشار إليها البغدادي في خطابه الأخير، إضافة لذلك فالمقاتلون السعوديون يأتون في المرتبة الثانية من حيث العدد بناء على ما أورده المركز الدولي لدراسة التطرف والعنف السياسي في سبتمبر 2014م، حيث أظهر أن عدد المقاتلين السعوديين في سوريا والعراق يبلغ حوالي 2500 وهذا يعكس وجود حاضنة مؤيدة لداعش في أوساط السعوديين، وأن هناك أشخاصا لديهم القابلية للقيام بأفعال عدائية في الداخل السعودي.
 
وهو الأمر الذي ظهر جليا خلال جريمة الدالوة بالأحساء التي حدثت مساء يوم الاثنين الموافق 3 نوفمبر 2014م حينما قام ثلاثة ملثمون بإطلاق الرصاص على مواطنين شيعة حين خروجهم من تأدية مراسم عاشوراء في حسينية المصطفى؛ مما أدى إلى مقتل 7 أشخاص وجرح 9 أشخاص بالإضافة إلى قتل مواطن شيعي آخر قبل العملية وحرقه بمادة الأسيد واستخدام سيارته للقيام بالعملية، وبذلك يكون المجموع 8 قتلى، ولولا قيام المواطنين بإغلاق باب الحسينية -حيث كان هدف الملثمين اقتحام الحسينية- لتحولت حادثة الأحساء إلى مجزرة بقتل ما لا يقل عن 40 شخصا كانوا متواجدين داخل الحسينية.
 
وزارة الداخلية السعودية أعلنت القبض على 77 شخصا في 10 مدن سعودية لهم علاقة بما جرى في الدالوة، وخلال عملية المداهمات التي قامت بها الداخلية قتل اثنان من رجال الأمن وجرح شخصان، في المقابل قتل ثلاثة من خلية الأحساء في القصيم (سعوديان وقطري) وجرح شخص، وأكثر القرائن تشير إلى أن جريمة الدالوة يقف خلفها تنظيم داعش رغم عدم تبني أي فصيل جهادي للعملية بالنظر إلى أن 48 شخصا لهم سوابق بالارتباط بتنظيم القاعدة وتم سجنهم على إثر ذلك، وأن رأس الخلية  تلقى الأوامر من الخارج وحدد له الهدف والمستهدفين ووقت التنفيذ والنص على أن يكون التنفيذ في منطقة الأحساء. وأحد الأشخاص من السعوديين الذين سافروا إلى العراق وسوريا ومن ثم تسلل مجددا للسعودية، بالإضافة أن عدد السعوديين الذين التحقوا بالقاعدة في اليمن قليل جدا مقارنة بالأشخاص الذين ذهبوا للقتال في سوريا والعراق تحت راية داعش خلال الأعوام الثلاثة الماضية.
 
وأخيرا، خطاب البغدادي الذي يتضح جليا أن ما ذكره في الخطاب من استهداف الشيعة في السعودية، والأسرة الحاكمة في السعودية ينسجم مع جريمة الدالوة مع ملاحظة أن جرائم الدولة الإسلامية ابتداء من إعلان الدولة الإسلامية في العراق عام 2006 ومرورا بالدولة الإسلامية في العراق وسوريا عام 2013 وأخيرا الدولة الإسلامية في عام 2014، كان لهذه المنظمة الدور الأكبر بالقيام بمئات العمليات المماثلة بقتل الشيعة في الأسواق والحسينيات ومواكب العزاء في العراق.
 
العدد الكبير من الموقوفين يظهر أن داعش لهم مخطط أكبر في عمليات متنوعة ضد الشيعة في السعودية، وهو ما يمكن أن يحصل لكي يثبت التنظيم أنه قوي وقادر على الوصول إلى أهدافه وأن البغدادي إذا قال فعل، وبالتأكيد هذا العدد الكبير من الخلية لا يعني انتهاء كل شيء كون الحركات الجهادية تتكون من خلايا منفصلة وليس بينهما ارتباط أفقي.
 
مواجهة داعش
 
ثلاثة عوامل أساسية يمكن أن تساهم في تقليل المخاطر التي يمكن أن تواجهها الأقلية الشيعية في السعودية من قبل تنظيم الدولة الإسلامية:
 
العامل الحكومي 
 
يحدد الدكتور توفيق السيف في كتابه “أن تكون شيعيا في السعودية” الصادر عام 2013 م “أن المشكل الرئيس للشيعة السعوديين هو التمييز الطائفي وأن مطلبهم الرئيس هو المساواة على قاعدة المواطنة”.
 
هذا يندرج كما هو واضح ضمن المطلب العام للإصلاحيين على المستوى الوطني، لكن -من ناحية أخرى-، فإن عدم إقرار الدولة بالوجود القانوني للشيعة كأقلية لها حاجات متمايزة عن بقية السعوديين، أوجد ظروفا تستدعي النظر في هذه المسألة كموضوع قائم بذاته. السعوديون ككل، حكومة وشعبا، بحاجة إلى استيعاب التحديات المنبعثة من وجود أطياف متعددة في المجتمع الوطني، تتمايز ثقافيا أو تاريخيا أو مذهبيا، من هذا الهدف كان لما يطلق عليه تيار الإصلاح الوطني وهي المعارضة الشيعية التي رجعت إلى السعودية عام 1993م بعد عمل معارض استمر 13 سنة في الخارج، فمنذ رجوعهم إلى السعودية قاموا بمئات اللقاءات والاجتماعات مع عدد من المسؤولين والأمراء والفعاليات الثقافية المختلفة لمحاولة تجسير العلاقة بين الشيعة والسنة، وبين الشيعة والحكومة؛ وذلك لخلق حالة من الثقة والإجابة عن حالة القلق التي دائما ما تكون حاضرة في الأذهان عن الشيعة، وأنتجت هذه التحركات وثيقة مهمة بعنوان “اندماج الشيعة في الإطار السياسي الوطني – برنامج عمل لمعالجة التمييز الطائفي”، وهي خلاصة لتجربة 15 عاما من النقاشات وتم تقديم هذا المشروع إلى ولي العهد الأمير سلطان بن عبد العزيز وعدد من الأمراء وكانت النتيجة “مخيبة للامال” كما يحكي ذلك توفيق السيف بالقول: “كما تكثقت اللقاءات مع قادة الدولة ومدراء الأجهزة الحكومية، إلا أن الأمور سرعان ما اتجهت إلى الجمود، وبلغت خيبة الأمل أقصاها في أوائل 2009 م”.
 
جريمة الدالوة فرصة أن تمد الحكومة يدها للمواطنين الشيعة الذين ينتظرون هذه اللحظة لكي تقوم الحكومة بواجبها لتحقيق المساواة بين جميع المواطنين والبدء في خطوات عملية في هذا الإطار؛ فإزالة الشعور المتأصل عند الشيعة أنهم مواطنون من الدرجة الثانية وأن كثيرا من الفرص لا يمكنهم الوصول لها،بالإضافة إلى الكم الهائل من التحريض الطائفي ضدهم سواء بالتكفير أو دعوات القتل من بعض المتطرفين السعوديين في الشبكات الاجتماعية والمحاضرات والإعلام الجديد والمرئي والمكتوب، وكل هذا تحت نظر السلطة ولم تتم معاقبة أي شخص قام بذلك هو أمر يدعو للتساؤل؛ وهو الأمر الذي أثاره عدد من الكتاب حول قناة وصال والتي كان وما زال لها دور كبير في التحريض الطائفي ضد الشيعة في السعودية يصل إلى التهديد والوعيد.
 
ولكن رغم ذلك، لا زال مكتبها في السعودية يعمل ويحصل على التبرعات المالية بعشرات الملايين من جيوب السعوديين، وبقاء مثل هذه العوامل تشكل بمجموعها مصدر قلق على الاستقرار، إن لم يتم التعامل معها بجدية بعيدا عن اللعب على وتر الطائفية السياسية التي تخلق بيئة للمتطرفين والجهاديين ونكون أمام منحنى خطير من الإرهاب الذي بدأ يستهدف المواطن السعودي الشيعي قبل كل شيء.
 
وأفضل طريقة لمواجهة الارهاب هو الإصلاح، وفي الجانب الشيعي يمكن الاسترشاد بوثيقة شركاء في الوطن التي قدمت في عام 2003م حينما كان خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز وليا للعهد، ومشروع الاندماج الوطني للسعوديين الشيعة، وتطبيق ما جاء فيهما يتلاءم مع المخرجات البحثية في توصيات الدول التي لديها أقليات. في تقرير قدم عام 2012م إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة ويدعو فيه الحكومات إلى “إحداث تغيير إيجابي لصالح الأقليات المحرومة من خلال اهتمام المؤسسات اهتمامـا كافيـا بحقوق تلك الأقليات واعتماد إطار سياسي لمعالجة قضايا الأقليات. ويمثـل اهتمـام المؤسسات الحكومية بحقوق الأقليات خطوة منطقية للانتقال من مرحلة وضع التشريعات إلى مرحلـة اتخاذ إجراءات ملموسة لحماية حقوق الأقليات وتعزيزها. وأن تنظر الدول إلى الاهتمام المؤسسي بحقوق الأقليات باعتباره التزاما في مجال الحوكمـة الرشيدة وعنصرا أساسيا في التزامات الدول المتعلقة بحقوق الإنسان والمساواة وعدم التمييز”.
 
والبدء بتنفيذ ما ورد فيهما سيساهم بالتأكيد بخلق مناخ ملائم ورسالة قوية إلى كل من يحاول أن يلعب على وتر النزاعات الطائفية في السعودية، وهذه المسؤولية تقع على كاهل الحكومة كونها “تسيطر فعليا على مسارات التوجيه العام، بما فيها نظام التعليم والإعلام والاقتصاد وتوزيع الموارد والمنافع العامة”، كما يرى توفيق السيف.
 
ضمن المسألة الحكومية، يبرز عنصر القضاء وآخرها هو الحكم الذي أصدره أحد القضاة في محكمة الخبر الجزائية يوم الاثنين الموافق 3 نوفمبر 2014 م ضد الناشط الحقوقي البارز مخلف الشمري بالسجن سنتين والجلد 200 جلدة بناء على تواصل الشمري مع المواطنين الشيعة في السعودية حيث أورد القاضي في الحكم أن الحكم بناء على “مجالسته للشيعة ومواساته لهم والاجتماع معهم”، بالإضافة إلى التغريدة التي كتبها في تويتر ودعا فيها الشمري إلى التسامح بالقول: “لإيماني برسالة التعايش بين أطياف المجتمع والتسامح بين المسلمين سأصلي صلاة الجمعة 21 رجب في مسجد الحمزة بسيهات بإمامة السيد حسن النمر”.
 
وهذا الحكم يذكرني بالحكم الذي صدر من قبل أحد القضاة في محكمة القطيف الجزائية بتاريخ 15 أكتوبر 2012م ضد إحدى المواطنات من القطيف، كونها قامت بارسال رسالة إلى رقم جوال بالخطأ تتضمن أرقام هواتف للاستفتاءات الشرعية، فاعتبر القاضي أن هذه الرسالة دعوة للتشيع، وبالتالي أصدر عليها حكما جائرا. والمشكلة الأكبر في التسبيب الذي ذكره القاضي في الحكم مما يعكس نظرته للمواطنين الشيعة، فجعل الشيعة في النار حينما استشهد بالتالي: “من الأدلة النقلية على ذم البدع وفاعليها قول الله تعال ى( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيما فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، ففي هذه الآية أمر سبحانه عباده باتباع صراطه وهو دينه الذي ارتضاه لعباده هذا الصراط الذي أخبر عنه بأنه مستقيما أي قويما لا اعوجاج به عن الحق، ثم نهاهم أن يسلكوا طريقا سواه أو يبغوا دينا خلافه من اليهودية أو النصرانية أو المجوسية أو عبادة الأوثان، أو غير ذلك من الملل فإنها بدع وضلالات. وقد فسر مجاهد رحمه الله السبل بأنها البدع والشبهات. ثم ذكر سبحانه علة النهي عن اتباع السبل وهي أنها تبعدهم عن دينه الذي ارتضاه لهم مما ينجم عنه هلاكهم ودخولهم النار”.
 
وكان من الحكمة اتخاذ أمير المنطقة الشرقية سعود بن نايف قرارا بعدم تنفيذ الحكم وإصدار عفو لما فيه من تعد سافر واتهام للمواطنين الشيعة، وقضية مخلف الشمري فضيحة فعندما يكون القاضي المؤتمن على الشرع يرى أن مجالسة الشيعة مخالفة لتعاليم ولاة الأمر، لذا نحن أمام أزمة خطيرة حينما تتواجد لبعض القضاة توجهات شاذة وفهم خاطئ للنظام الأساسي للحكم ولفكرة العدالة، فيقومون بتأويل كل شيء كي يتناسب مع الأفكار الرجعية -والمناهضة للشيعة- التي في عقولهم، ونتأمل أن تسقط هذه التهم الموجهة لمخلف في أسرع وقت ممكن.
 
 العامل السلفي 
 
دائما تتخوف الأقلية من الأكثرية، ولكن في السعودية الشحن الطائفي من رموز التيار السلفي المتشدد ضد الشيعة يصل إلى درجة القطيعة مع مكون أساسي في المجتمع السعودي يصل إلى 15% من عدد المواطنين السعوديين. السلفيون دائما يقفون حجر عثرة أمام أي تقدم في العلاقة بين الشيعة والحكومة أو على مستوى العلاقة الأفقية بين الشيعة وبقية مكونات الوطن، ويذكر الشيخ حسن الصفار في كتابه (السلفيون والشيعة نحو علاقة أفضل) أن: “بعض البؤر الساخنة على خط الخلاف السني الشيعي، أربكت هذه المسيرة، وأضعفت حركتها، وفي طليعة هذه البؤر: التشنج القائم في العلاقة بين السلفيين والشيعة.
 
فالمدرسة السلفية تمثل تيارا نشطا في أوساط أهل السنة، تتوفر له أضخم الإمكانيات، وإن لم يكن هو الأوسع رقعة، والأكثر أتباعا بين سائر التيارات السنية”.. ففي يوليو 2003م انتفض السلفيون في السعودية لأجل صورة جمعت الشيخ سلمان العودة مع الشيخ حسن الصفار، فتم التشنيع على العودة ووصفه بأقبح الألفاظ البذئية وهكذا توالت هجمات التيار السلفي بشكل مكثف على وثيقة شركاء في الوطن، وعلى جميع الشخصيات السلفية التي حاولت أن تخرج من العباءة السلفية التي تنادي بالقطيعة مع الشيعة وعزلهم وتجاسرت فقامت بزيارة القطيف، هذه الحملات السلفية أدت إلى خلق عزلة بين أبناء الوطن على المستوى النفسي والاجتماعي. يأخذ شكل التحريض ضد الشيعة مسارات متعددة ويستغل الخلاف السياسي بين السعودية وإيران في إشعال الحروب الطائفية والفرقة بين المسلمين بالإشارة إلى خطر الشيعة أو الروافض على الأمة ووصفهم بالكفر أو الخيانة فضلا عن إثارة الأكاذيب العقدية ونبش التاريخ لعمل جدار برلين بين السنة والشيعة في السعودية.
 
وفي جريمة الدالوة بين ليلة وضحاها أصبحت قيادات التيار السلفي كالحرباء فقاموا بتغيير لغتهم الطائفية وتحولوا إلى الاعتدال (التقية السلفية)، وهو ما جعل بعض المغردين يضع بعض تغريدات السلفيين قبل جريمة الدالوة وبعدها لإظهار التناقض الجلي.
السلفيون المتشددون يقفون ضد التسامح المذهبي، بل كل رأي يختلف معهم ولو كان من المذهب السني، والبوصلة اليوم متوجهة نحوهم في تغيير سلوكهم الذي لم ينتج عنه إلا دمار الأوطان، فعليهم إعادة التفكير مليا في مآلات أفعالهم وأقوالهم وأن تكون حركتهم مع سنن التاريخ، وأن يعتبروا من تشويه الإسلام بوعي أو بدون وعي، ونرى يوما بعد يوم كيف أن الحركات التكفيرية والجهادية تتشرب من أفكار بعض المنتسبين لهم، وأصبحوا السعوديون مصدرا سهلا للتجنيد كونهم متشبعين فكريا وجاهزين نفسيا، فلم يبق إلا تنشيط ذلك على الواقع العملي. فأصبح السعوديون يتصدرون الغزوات والحروب والعمليات الانتحارية وعمليات القتل في داخل وخارج السعودية.
 
العامل الشيعي 
 
ينظر السعوديون الشيعة اليوم إلى الأفعال لا الأقوال، والكلام الحسن والجميل مطلوب لما فيه من راحة للنفوس وهو ما كان طوال العقود الماضية مما خلق أملا بأن يحدث تغيير على المستوى السياسي والاجتماعي خلال السنوات الماضية. ولكن خيبة الأمل كانت هي السائدة بحيث أصبحت الشخصيات الشيعية التي كان لها دور محوري في بناء جسور التواصل بين الشيعة والحكومة وعلى رأسهم الشيخ حسن الصفار والدكتور توفيق السيف تفاؤلهم أقل من السابق مع الحفاظ على المبادئ الوطنية الراسخة في تعزيز الاستقرار، بل كانا من أوائل المبادرين عندما يهدد الوطن أي خطر، إلا أنه في المقابل تشن الصحافة السعودية حملة ضد الشيخ حسن استمرت عاما ونيف ابتداء من فبراير 2012 إلى أغسطس 2013، ولكن الصفار صمت أمام تلك الهجمات وواصل مسيرته الإصلاحية وترفع عن الدخول في نقاشات عقيمة.
القائد الشيعي الأبرز في السعودية الشيخ حسن الصفار
منذ عقدين من الزمن يحذر من خطر التيارات التكفيرية، وعمل جاهدا لتحصين الوحدة الوطنية منذ 1993م، حيث سعى بالتواصل مع مجموعة من العلماء السنة والأمراء السعوديين لعمل وثيقة للتعايش بين الشيعة والسنة في السعودية ومن أبرز بنود هذه الوثيقة “الإقرار بجامعية الإسلام لكل أبنائه فلا يكفر أحد أحدا ولا يشكك أحد في دين الآخر، فكلنا مسلمون نتوجه الى قبلة واحدة ويدان أي كلام تكفيري يشكك في دين الآخر.
 
تعزيز الاحترام المتبادل بين الطرفين وإدانة وتجريم أي إساءة من أي طرف للطرف الآخر، تعزيز المساواة بين المواطنين ومواجهة حالات التمييز على أساس مذهبي وطائفي، اعتماد نهج الحوار في قضايا الخلاف والتعاون في سبيل خدمة المصالح المشتركة لأمن البلاد ووحدة الأمة”. ولكن هذه الوثيقة لأسباب مختلفة، أجهضت بعد أن كانت قاب قوسين أو أدنى أن توقع من علماء ومثقفين سنة وشيعة.
وحينما تعرض الوطن لحربين الأولى عام 1990م حينما احتل صدام حسين الكويت وأجزاء من السعودية، أصدر الصفار بيانه الشهير بإيقاف عمل المعارضة الشيعية في الخارج ودعوة جميع الشيعة للتطوع للدفاع عن الوطن، وفي عام 2009 حينما حدثت اشتباكات في الجنوب بين القوات السعودية والحوثيين أصدر الصفار بيانا ذكر فيه: “لا يسعني كمواطن إلا ان أقف مع وطني في وجه أي عدوان على أي شبر من أراضيه من أي جهة كان ذلك العدوان، من هؤلاء المتسللين أو سواهم”. وطالب الإعلام والمنابر الدينية “بالترفع عن استخدام اللغة الطائفية، فذلك مضر بالمصلحة العامة للأمة، وخاصة في الظروف الحساسة”.
 
وفي التاسع من سبتبمر لعام 2014 أصدر الصفار بيانا يندد فيه بالإرهاب جاء فيه “إن تنامي قوة التنظيمات الإرهابية وفرضها لوجودها في أكثر من بقعة ومكان، وحيازتها لإمكانيات ضخمة، واستمرار قدرتها على الاستقطاب وتغرير المزيد من أبناء الأمة وشبابها، يشكّل أكبر تحدٍ وأعظم خطر يواجه الدين والأمة في هذا العصر. ولا يمكن مواجهة هذا الخطر الداهم إلا بإعلان حالة طوارئ قصوى على مختلف الصعد وكافة الميادين السياسية والثقافية والاجتماعية.
 
وبتضافر جهود الحكومات والقيادات الدينية على تنوع مذاهبها ورجال المعرفة والفكر؛ لأن الإرهاب خطر على وجود الأمة وتهديد لمستقبل الأوطان والسلم العالمي. من هنا تأتي أهمية نداء خادم الحرمين الشريفين للأمة ولكل العالم للوقوف أمام هذا الخطر الزاحف. ولا بد من ترجمة هذا النداء بخطط وبرامج فورية عملية من قبل الحكومات والمؤسسات الدولية والفعاليات الاجتماعية، وأن يتحمل الجميع مسؤولياتهم، ويتجاوزوا كل خلافاتهم لمواجهة هذا الخطر الذي يتهدد الجميع”.
 
إلا أنه رغم المبادرات الشيعية المختلفة، حدث برود في العلاقة بين السياسيين الشيعة والحكومة في الأعوام الثلاثة الماضية، فانقطع التواصل وتوقفت النقاشات السياسية، وأظن الفرصة مؤاتية لإعادة طرح المسألة الشيعية في السعودية والتقدم بمبادرات جديدة وطرق الأبواب من جديد، خصوصا أن الأجواء الوطنية ملائمة لإحداث تغير ولو كان طفيفا خصوصا بعد جريمة الدالوة وهو ما عبر عنه المندوب الدائم للمملكة لدى هيئة الأمم المتحدة المهندس عبد الله المعلمي  في مقال بجريدة المدينة في 10 نوفمبر 2014 بالقول: “ولعل أفضل رد على محاولة إشعال الفتنة يكمن في مزيد من الوحدة، ومن ذلك الاستجابة للمطالبات المشروعة التي يتقدم بها إخواننا في الأحساء والقطيف”.
 
في كل المحطات التأريخية كان الشيعة الحصن المنيع وأثبتوا بعد جريمة الدالوة وقوفهم بمختلف أطيافهم مع الوطن ومنع أي محاولة تمكن أي طرف من اللعب على الوتر الطائفي والدفع بالشيعة نحو التطرف، وهو ما يجب أن ينظر إليه بحكمة من الحكومة لتحقيق المساواة التي أكد عليها النظام الأساسي للحكم في المادة 12: “تعزيز الوحدة الوطنية واجب وتمنع الدولة كل ما يؤدي للفرقة والفتنة والانقسام”. وبالتأكيد، شعور المواطنين بالمساواة والعدل هو أجلى مصاديق الوحدة الوطنية.
 

الجمعة، 16 مايو، 2014

السعودية ومحاربة الكراهية


العاهل السعودي عبدالله بن عبدالعزيز بادر في قمة التعاون الإسلامي التي عقدت بمكة المكرمة في أغسطس 2012م باقتراح تأسيس مركز للحوار بين المذاهب يكون مقره الرياض ، وهو يأتي متوافقا مع القرار رقم 152 «1/17» الصادر من مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة التعاون الإسلامي في دورته السابعة عشر في عام 1427هـ تحت عنوان " الإسلام والأمة الواحدة، والمذاهب العقدية والفقهية والتربوية " والذي تتضمن التالي " إنّ كلّ من يتبع أحد المذاهب الأربعة من أهل السُنة والجماعة «الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي» والمذهب الجعفري، والمذهب الزيدي، والمذهب الإباضي، والمذهب الظاهري، هو مسلم، ولا يجوز تكفيره. ويحرم دمه وعرضه وماله.".

ومن الناحية التشريعية هناك نصوص تجرم التمييز العنصري والطائفي ويأتي في مقدمة ذلك ما ورد في النظام الاساسي للحكم 1993م المادة (12) والتي نصت على " تعزيز الوحدة الوطنية واجب وتمنع الدولة كل ما يؤدي للفرقة والفتنة والانقسام."وتوالت بعد ذلك النصوص القانونية التي تجرم التمييز ، فانضمت السعودية إلى اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري في سبتبمر
الدكتور محمد البراك عضو هيئة التدريس في جامعة أم القرى وعضو رابطة العلماء المسلين يدعو
إلى قتل الكاتبين يوسف أبو الخيل و محمد المحمود . وفي التغريدة الثانية يعتبر أن من يوظف
الشيعة (الروافض) هو خائن للوطن ويعتبر الشيعة مشركون ويحقدون على الاسلام .
1997م واتفاقية القضاء على جميع أشكال 
التمييز ضد المرأة (السيداو) في أغسطس 2000م ، وكلتا الاتفاقيتان أصبحتا بحكم القانون المحلي الواجب التطبيق باستثناء المواد التي تحفظت عليها السعودية ، وفي مارس 2007م تم اقرار نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية ونصت المادة السادسة " يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على خمس سنوات وبغرامة لا تزيد على ثلاثة ملايين ريال ، أو بإحدى هاتين العقوبتين؛ كل شخص يرتكب أياً من الجرائم المعلوماتية الآتية:إنتاج ما من شأنه المساس بالنظام العام، أو القيم الدينية، أو الآداب العامة، وحرمة الحياة الخاصة، أو إعداده، أو إرساله، أو تخزينه عن طريق الشبكة المعلوماتية، أو أحد أجهزة الحاسب الآلي." ولأن التمييز يفتك بالاستقرار الاجتماعي والسياسي فهو أحد المصاديق الجلية في التعدي على النظام العام ، وفي أبريل 2011 صدر المرسوم الملكي بتعديل بعض المواد في نظام المطبوعات والنشر ونصت المادة التاسعة على تجريم " إثارة النعرات وبث الفرقة بين المواطنين." في الاعلام .

وخلال افتتاح أعمال مجلس الشورى للدورة الخامسة السنة الثالثة (1432-1433هـ) تضمن خطاب العاهل السعودي التالي " إن استقرار الوطن ووحدته هو صمام الأمان - بعد الله -. ولا نسمح بأي حال من الأحوال ما يشكل تـهديدا للوحدة الوطنية وأمن المجتمع . فإحياء النعرة القبلية واللعب على أوتار الصراع المذهبي، فضلا عن تصنيف فئات المجتمع وإطلاق نعوت ومسميات ما أنزل الله بـها من سلطان، ناهيك عن استعلاء فئة على فئة أخرى في المجتمع، كلها أمور تناقض سماحة الإسلام وروحه ومضامينه. " وهو تأكيد لخطابه السابق في مجلس الشورى في الدورة الرابعة السنة الثالثة (1428-1429هـ) إذ شدد " إن التحدي الذي يواجهنا - أيها الأخوة- هو المحافظة على هذه الوحدة الوطنية وتعميق مضامينها . إن تأجيج الصراعات المذهبية ، وإحياء النعرات الإقليمية ، واستعلاء فئة في المجتمع على فئة أخرى يناقض مضامين الإسلام وسماحته ، ويشكل تهديداً للوحدة الوطنية وأمن المجتمع والدولة.".

وفي العمل المؤسساتي أنشأت السعودية مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني في يوليو 2003 م ، وأول ما بدأ المركز عمله ناقش قضايا مهمة تؤرق المجتمع السعودي والدولة فتناول ملف الوحدة الوطنية والغلو والاعتدال والمرأة وتم الخروج بتوصيات جادة وفعالة شارك في اعداها مختلف شرائح المجتمع السعودي ولكن هذه التوصيات لازالت لم توضع لها الخطط والجدول الزمني لتحويلها إلى واقع رغم مرور عشر سنوات مما ادى إلى ضعف ثقة المجتمع السعودي بالمركز وقدرته على إحداث تغيير حقوقي على أرض الواقع .

الفجوة الحقيقة هو أن القوانين لم تتحول إلى اداة وقاية للمواطنين وردع للذين يمارسوا التمييز في المجتمع السعودي ، فخلال السنوات الماضية لم يتم تطبيق القوانين على العنصريين والطائفيين ، وهو ما نتج عنه تعديات كثيرة وصراعات لفظية ودعوات إلى الكراهية بين أبناء المجتمع ، وغابت سلطة الدولة في ممارسة دورها في ردع هؤلاء الأشخاص كونها هي المخولة بالقيام بالدعوى قانونا لأن أكثر الدعوات العنصرية والطائفية لا تتوجه لفرد بحد ذاته يمكنه من مقاضاة خصمه وإنما هي دعوات تمارس ضد مجموعة كبيرة من الأشخاص تأخد شكلا مذهبيا ،قبليا، مناطقيا، جندري ، وهذا الصمت الغير مبرر من الدولة أدى إلى تزايد الممارسات العنصرية التي تفتت الوحدة الوطنية في مختلف الأصعدة الاعلامية ومنابر المساجد والمنتديات والمحاضرات الثقافية وهو ما يجعل الوطن على صفيح ساخن من الدخول في نزاعات عنفية كون التمييز يهين كرامة الانسان ، وهو ما يحرضه على استخدام القوة للدفاع عن كرامته عندما تتنازل الدولة عن أحد وظائفها الاساسية كونها الجهة المخولة باستخدام القوة ، وأحد النتائح الكارثية أن قوة القانون وهيبته ستتلاشى وهو ما يضعف كيان الدولة عندما يكون الحاكم بين الناس لغة الغابة وليس القانون، ومن هنا الحكومة مطالبة أن تمارس دورا تصحيحا عاجلا في القيام بواجبها في حماية الوحدة الوطنية والمواطنين ليكون الوطن للجميع ويشعر الجميع فيه بالعدالة وأول هذه الخطوات تطبيق القوانين الحالية ودفع هيئة الخبراء بوضع مسودة نظام لتجريم الكراهية (Hate Speech Law) وذلك من خلال الاستفادة من تجارب الدول المختلفة التي استطاعت أن تقضي بشكل كبير على الكراهية من خلال القانون المكتوب مقرونا بسيادة القانون .

الخميس، 22 نوفمبر، 2012

هل التعامل مع المنظمات الحقوقية جريمة في السعودية ؟



-         من إحدى التهم التي يوجهها الادعاء العام في السعودية ضد نشطاء حقوق الانسان هو التعامل مع المنظمات الحقوقية وهو ما اتهم به المدافعين عن حقوق الانسان محمد القحطاني ومخلف الشمري ووليد أبو الخير .

-         لتوضيح أن هذه التهمة ليس لها مستند قانوني سأتطرق لبعض النقاط في هذا الصدد :

-         السعودية عضو في الأمم المتحدة ملزمة قانونياً بميثاق الأمم المتحدة التي صادقت عليه بتاريخ 1945/10/18م .

-         الالزام القانوني ناشئ كون السعودية انضمت إلى اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات في تاريخ 2003/4/14م، والتي نصت (م27) على أن "لا يجوز لطرف فى معاهدة أن يتمسك بقانونه الداخلى كسبب لعدم تنفيذ هذه المعاهدة". ، وهو ما يتوافق مع (م81) من النظام الاساسي للحكم التي نصت بأنه  " لا يخل تطبيق هذا النظام بما ارتبطت به المملكة العربية السعودية مع الدول والهيئات والمنظمات الدولية من معاهدات واتفاقيات".

-         من السابق يتضح أن (م71) من ميثاق الأمم المتحدة واجبة التنفيذ التي نصت على "للمجلس الاقتصادي والاجتماعي أن يجرى الترتيبات المناسبة للتشاور مع الهيئات غير الحكومية التي تعني بالمسائل الداخلة في اختصاصه. وهذه الترتيبات قد يجريها المجلس مع هيئات دولية، كما أنه قد يجريها إذا رأى ذلك ملائماً مع هيئات أهلية وبعد التشاور مع عضو الأمم المتحدة ذي الشأن.".

-         وعلى هذا الاساس تم إنشاء لجنة المؤسسات الغير حكومية ضمن المجلس الاقتصادي والاجتماعي بالأمم المتحدة وهي تقوم بإعطاء الصفة الاستشارية للمؤسسات الحقوقية ويترتب على هذه المنظمات مسؤوليات والتزامات معينة ولمزيد من المعلومات عن ذلك اضغط هنا .

-         وبناء على المعطيات السابقة السعودية تعترف بالمؤسسات الحقوقية الدولية والاقليمية وهذا يتضج جليا اذا علمنا أن وفد من منظمة هيومان رايتس في عام 2003 التقى بوزير الداخلية الأمير نايف بن عبد العزيز في السعودية .

-         وفي عام 2006 تم توجيه دعوة رسمية من قبل الحكومة السعودية لمنظمة هيومان رايتس لزيارة السعودية لتقديم تقرير عن حالة حقوق الانسان وكيف تطويرها وتحسينها .

-         أما الاعلام السعودي فهو يومياً تقريباً ينشر ما تصدره المنظمات الحقوقية من بيانات او تقارير لا سيما منظمة العفو الدولية و منظمة هيومان رايتس .

-         وعلى مستوى مجلس حقوق الانسان قبلت السعودية ضمن الاستعراض الدوري الشامل في عام 2009 التوصية الواردة من دولتي النرويج ونيوزيلندا بـ (ﺃﻥ ﺗﺴﻤﺢ لجميع ﻣنظمات حقوق ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ الراغبة في ﺯﻳﺎﺭتها ﺑﺎﻟﻘﻴﺎﻡ بذلك؛ ﻭ ﺃﻥ تواصل ﻣﺸﺎﺭﻛﺘﻬﺎ ﻣﻊ منظمات حقوق ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ، ﻭﺃﻥ تنظر في تعميق هذه المشاركة وتوسيعها لتشمل تمثيلاً أﻭﺳﻊ للمجموعات) وعلقت السعودية على هذه التوصية بالقول ( تقبل المملكة هذه التوصية في إطار التنظيمات والاجراءات المنظمة لذلك ، وخلال السنوات الماضية زار المملكة عدد من المنظمات الغير حكومية كان آخرها منظمة مراقبة حقوق الانسان ولعدة مرات ) وهذا يعكس الاعتراف القانوني على المستوى النظري والعملي بالمؤسسات الحقوقية الغير حكومية .

-         وبالتالي ادعاء المدعي العام أن التعامل مع المؤسسات الحقوقية جريمة هو أمر يتعارض مع القوانين والتزامات السعودية القانونية على المستوى الدولي ومع الممارسة العملية الذي تقوم بها الحكومة مع هذه المنظمات ، ومن اللطيف أن استعرض لكم ما ذكره المدعي العام في لائحة الاتهام ضد الناشط الحقوقي مخلف الشمري بالقول له " لا يصح الانتساب لهذه المنظمات الحقوقية لأنه لا يحمل صفة رسمية وأن كثيرا من تلك المنظمات تعتبر أن الالتزام بشرع الله منقصة ومثلبة".

-         وإذا كان لدى المدعي العام وجهة نظر ان هذه المؤسسات الحقوقية ذات الصفة الاستشارية تقوم بنشر معلومات مغلوطة فيمكنه أن يقوم بالطلب من الحكومة السعودية بالتوجه إلى لجنة المنظمات الغير حكومية بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي لتقوم بالشكوى هناك لنزع الصفة الاستشارية منها أو ايقاف عمل هذه المنظمة من التعاون مع الأمم المتحدة وآلياتها فهو الطريق الصحيح إذا استطاعت إثبات السعودية ذلك ضمن معايير التي حددها القرار 1996/31 .

-         وللمعلومية ان منظمة العفو الدولية لديها الصفة الاستشارية في المجلس الاقتصادي والاجتماعي منذ عام 1964م ، ومنظمة هيومان رايتس لديها الصفة الاستشارية منذ عام 1993م ، ومركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان لديه الصفة الاستشارية منذ عام 1997م ، ومنظمة فرونت لاين ( الخط الامامي ) لديها الصفة الاستشارية منذ عام 2004 .


الاثنين، 12 نوفمبر، 2012

حراك الشارع السعودي جرس إنذار




انطلقت رياح التغيير من تونس، مرورا بمصر واليمن والبحرين وليبيا وسوريا بشكل رئيس، وصولاً إلى تحركات في بعض مناطق جغرافية محدودة في بعض البلدان؛ كالسعودية والمغرب والجزائر والأردن وسلطنة عمان والسودان ، وما يجرى في السعودية _ تحديدا _ لا ينفصل عما يجري في المحيط العربي، فالشعب السعودي يعيش حالة احتقان داخلي منذ عقود وكان يحتاج لمؤثر ينطلق من خلاله ليعبر عن أفكاره بحرية، فكانت الثورات العربية هي المحفز لظهور تطور نوعي في الحراك السياسي والحقوقي لم تشهده السعودية خلال العقود الماضية .

وكان بداية ذلك ببروز عدة مطالبات بالاصلاح في شهري فبراير ومارس 2011 على شكل بيانات منها (نحو دولة الحقوق والمؤسسات) و(رسالة 23 فبراير) و(اعلان وطني للاصلاح) و(مطالب الشباب إلى خادم الحرمين)  وكانت عريضة دولة الحقوق والمؤسسات هي الأبرز لكونها الوثيقة التي جمعت أطياف دينية وليبرالية وشبابية من مختلف شرائح المجتمع ووقع عليها أكثر من عشرة آلاف شخص، وهو البيان السعودي الأول الذي يحظي بهذه النسبة من الإجماع يعكس الاطار الاصلاحي للمجتمع السعودي من قبيل مطالبة الملك السعودي بتحويل نظام الحكم إلى ملكية دستورية وتشكيل برلمان منتخب تكون لديه جميع الصلاحيات التشريعية والرقابية، وكذلك إصلاح القضاء، ومحاربة الفساد، واطلاق حرية التعبير، والافراج عن سجناء الرأي، وحل مشكلات الشباب، وإزالة القيود التي تعيق انشاء مؤسسات المجتمع المدني.

الاحتجاجات في السعودية :

يمكن تقسيم الحركة الاحتجاجية في السعودية إلى مرحلتين زمنيتين المرحلة الأولى في عام 2011 تمظهرت على شكل اضرابات عمالية واعتصامات ومظاهرات.

ومن الأمثلة على الاضرابات العمالية ما قام به اكثر من 500 موظف من العاملين بمركز الاتصالات(كول سنتر) في شركة الاتصالات السعودية في 12-13/3/2011م في مدن الدمام والرياض وجدة بسبب اقتصار الحوافز السنوية التي تقدمها الشركة على 25% من الموظفين .

وفيما يرتبط بالاعتصامات فقد قام عدد من عوائل السجناء بالاعتصام أمام مقر وزارة الداخلية بالرياض ونفذوا ثلاثة اعتصامات وذلك للمطالبة بالافراج عن المعتقلين أو محاكمتهم وكان الاعتصام الأول نسائي شارك فيها حوالي 25 امرأة في يوم السبت 5/2/2011 وتعرضن جميعهن للتوقيف وتم الافراج عنهن لاحقا .

أما الاعتصام الثاني فقد كان بتاريخ 13/3/2011م والثالث في 20/3/2011م وشارك فيهما حوالي 500 شخصا ونتج عن هذه الاعتصامات اعتقال الدكتور مبارك بن زعير بجامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية حينما كان متوجها للاعتصام الثالث وتم توجيه التهم التالية له الافتئات على ولي الأمر و إثارة الفتنة و حضور مظاهرة غير مرخصة و عدم الاعتداد بفتوى هيئة كبار العلماء بالسعودية إلى أن تم الافراج عنه مؤقتا بتاريخ 29/2/2012م ولازالت قضيته منظورة في المحكمة الجزائية ، وفي اليوم التالي للاعتصام بتاريخ 21/3/2011م تم اعتقال الحقوقي البارز العضو المؤسس لجمعية الحقوق المدنية والسياسية محمد البجادي وتوجيه عدة اتهامات له منها دعوة أهالي المعتقلين السياسيين إلى التظاهر والإعتصامات وتم الحكم عليه من قبل المحكمة الجزائية المتخصصة بالسجن أربع سنوات والمنع من السفر لمدة خمس سنوات. ، وعلى خلفية اعتقال النساء خلال الاعتصام الأول والمطالبة بتطبيق القوانين بحق المعتقلين أصدر الدكتور يوسف الأحمد عدة مقاطع فيديو يناشد فيه السلطات بالافراج عن النساء و الافراج عن المعتقلين أو محاكمتهم حسب ما تنص عليه القوانين السعودية ، وعلى أثر ذلك تم اعتقاله في 8/6/2011م على خلفيه اتهامه بنشر ما من شأنه المساس بالنظام العام، وما انطوى عليه من تأليب ضد ولي الأمر وإثارة الفتنة وحكم عليه بالسجن خمس سنوات وغرامة مئة ألف ريال من قبل المحكمة الجزائية المتخصصة.

وأيضا ما قامت به ما لايقل عن مئة امرأة من معلمات محو الأمية (بندالأجور–مسائي) في يومي الأحد والاثنين 3-4/4/2011 أمام مكاتب وزارة الخدمة المدنية في كلاً من الرياض والدمام وذلك للمطالبة بأن يشملهن الأمر الملكي الصادر بتاريخ27/2/2012 بتثبيت موظفي بند الأجور وأتى هذا الاعتصام نتيجة تصريح المتحدث الرسمي لوزارة الخدمة المدنية عبدالعزيز الخنين بعدم شمول معلمات(بند محو الأمية مسائي) بالأمر الملكي ، ونتيجة هذه الاعتصامات صدر أمر ملكي بتاريخ 22/4/2011م بأن يشملهن التعيين.

في فبراير2011م قامت أعداد محدودة من المواطنين في شرق السعودية بالتظاهر سلميا للمطالبة بالافراج عن ثلاثة من سجناء الرأي وتم الافراج عنهم لاحقاً ، وكان ذلك الشرارة التي أشعلت المظاهرات وبدأت تنتشر في مختلف قرى ومدن محافظة القطيف، الأمر الذي شجع على خروج مظاهرات أخرى في محافظة الاحساء، و تزايدت أعداد المتظاهرين في شهر مارس 2011 لتصل في بعض الأحيان إلى أكثر من خمسة عشر ألف متظاهر وكانوا يهتفون بشعارات العدالة والمساواة والافراج عن السجناء المنسيين؛ وهم تسعة سجناء تم اعتقالهم بعد تفجيرات الخبر التي حدثت في 29/6/1996م ولم تتم محاكمتهم رغم مرور أكثر من 17 عاماً خلف القضبان حسب ما تنقل عوائل السجناء ، بينما الرأي الحكومي في هذه القضية حسبما جاء في صحيفة الجزيرة السعودية العدد رقم(10838) بتاريخ 20/3/1423هـ الموافق 1/6/2002م في لقاء حواري مع الأمير أحمد بن عبد العزيز نائب وزير الداخلية في وقت صدور هذا التصريح أنه صدرت " أحكام شرعية لابد ان يعلن عنها في الوقت المناسب، وكما هو معلوم الأحكام الشرعية تتم في المحكمة تنتقل بعدها إلى محكمة التمييز ثم مجلس القضاء الأعلى،ومن ثم رفعها للمقام السامي للمصادقة على الأحكام." وفي لقاء جمع بعض شخصيات القطيف مع حاكم المنطقة الشرقية الأمير محمد بن فهد في مارس 2011 أبلغهم بصدور أحكام ضدهم لكنه لم يفصح عن هذه الاحكام وإلى الآن لم يعرف ماهية الأحكام مع نفي السجناء أنهم ابلغوا بأحكام صدرت ضدهم أو أنه تمت محاكمتهم ، وفي جميع الظروف يبقى ملف هؤلاء السجناء أحد المحفزات الرئيسية للمتظاهرين بمطالبة الحكومة بالافراج عنهم ففي الحد الأدنى أنهم قضوا 17 سنة ولا احد يريد أن يفصح عن التهم الموجهة لهم ولا الأحكام التي صدرت ضدهم – إن صحت رواية الحكومة – ، فهل عدم كشف الحكم يعكس أن محكوميتهم قد انقضت !! أو أن ذلك يعكس خللا بنيويا في العدالة الاجرائية التي تحيط بالقضية كما هو الحاصل في كثير من قضايا المعتقلين الذين قضوا سنوات عديدة بلا محاكمات أو إذا كانت هناك محاكمات فإنها بالتأكيد لا تتوافق مع معايير المحاكمة العادلة ، ويبقى السؤال مفتوحاً عن شفافية الاجراءات الجنائية والقضائية في السعودية لسجناء خلف القضبان أكثر من سبعة عشر عاماً لا أحد يعلم مصيرهم والحكومة لا تفصح بأي معلومات في هذا الشأن !!

يوم الغضب السعودية :

في11/3/2011م كانت هناك دعوة عامة للتظاهر في مختلف مناطق السعودية ، وأطلق على هذا اليوم (يوم الغضب) ولم يجد النداء صدىً يدفعه للنجاح لعدة أسباب منها غياب تجارب حركية مدنية لدى التيارات السنية في السعودية وغياب العمل المدني ووجود شخصيات تتبنى الحراك، إضافة لحالة الخوف التي خلقتها وزاة الداخلية السعودية بنشرها للدوريات الأمنية وقوات الطوارئ بشكل كثيف في مختلف المناطق، فضلا عن تسخير الدولة للطاقات الاعلامية والدينية لنشر فكرة تحريم التظاهر لكونه شكلا من أشكال الخروج عن ولي الأمر وبيان وزارة الداخلية الذي صدر في 5/3/2011م والذي أشار بوضوح أن من سيخرج للتظاهر سيكون معرض للاعتقال حيث نص أن " قوات الأمن مخولة نظاماً باتخاذ كافة الإجراءات اللازمة بشأن كل من يحاول الإخلال بالنظام بأية صورة كانت وتطبيق الأنظمة بحقه ، وأيضا ساهم الوضع الاقتصادي الجيد إلى حد ما الذي يتمتع به العديد من فئات المجتمع في عدم دفع الناس للنزول للشارع والذي يأخذ أشكالاً عديدة من دعم بعض المنتجات الاستهلاكية والضمان الاجتماعي و نتيجة عدم نجاح هذا اليوم قام العاهل السعودي باصدار عدة أوامر ملكية ركزت على الجانب الاقتصادي دون التطرق للاصلاح السياسي.

تطور نوعي للحراك السني في السعودية :

في ظل هذه التداعيات وعدم وجود حلول سياسية حصل تطور لافت عند عوائل المعتقلين في منتصف عام 2012م، فقد قاموا بالدعوة للتظاهر بهدف المطالبة بالافراج عن المعتقلين؛ ونظموا على إثرها أربع مظاهرات، كانت الأولى في مجمع صحارى مول بالرياض بتاريخ 6/6/2012م،  والثانية في مجمع خريص بلازا بالرياض بتاريخ 6/7/2012م، والثالثة في مجمع النخيل بلازا ببريدة بتاريخ 13/7/2012م، والرابعة في أحد شوارع بريدة بتاريخ 23/7/2012م. وقد ضمت المظاهرات الثلاث الأولى متظاهرين من كلا الجنسين، ما عدا الأخيرة التي اقتصرت على الرجال فقط. وكان الجميع ينادون بشعارات من قبيل " فكوا العاني فكوا " و " الشعب يريد تحرير السجون " و " سلمية سلمية "، ورغم مناداتهم بالسلمية تم اعتقال ثمان نساء بعد تعرض بعضهن للضرب ليفرج عن ستة منهن بعد يوم واحد واثنتان بعد ثلاثة أيام ، وأيضا حصل اعتصام في مدينة جدة بتاريخ 25/7/2012 بالاضافة إلى عدة مسيرات بالسيارات في كلا من مكة المكرمة و الدمام ولا زالت الاعتصامات والمسيرات مستمرة من قبل عوائل السجناء بالرغم من اعتقال بعض الأفراد الذين شاركوا ومحاكمة البعض و بالرغم من صدور بيان وزارة الداخلية بتاريخ 11/10/2012 والذي أشار " ووزارة الداخلية إذ تعلن ذلك لتؤكد أهمية احترام الإجراءات العدلية الجارية بحق جميع المتهمين بجرائم الفئة الضالة وعدم التورط بالمساس بالإجراءات العدلية أو استقلالية القضاء أو أمانة القضاة والابتعاد عن المشاركة في أي تجمعات أو مسيرات حيث سيتعامل رجال الأمن بحزم مع كافة المخالفين وذلك وفق ما نصت عليه الأنظمة " إلا أن ذلك لم يمنع الأهالي من مواصلة نشاطهم السلمي من اعتصامات ومسيرات بهدف الضغط على وزارة الداخلية لايجاد حل لهذا الملف الشائك .

وبالرغم من قلة المشاركين في هذه المظاهرات أو الاعتصامات إلا أن النسق السريع والمتصاعد من ناحية عدد الاحتجاجات وتوزعها في مناطق مختلفة من المملكة وتفعيل الاعلام الجديد لا سيما في تويتر من قبل أهالي المعتقلين والمتضامنين معهم مثلت قفزة في قراءة الحراك السعودي الذي تجاوز إلى حد ما ذهنية تحريم المظاهرات من قبل بعض أفراد التيار السلفي؛ حتى بدأ يستخدمها كأحد وسائل الضغط للافراج عن المعتقلين، مع وجود دعم وتعاطف شعبي من قبل علماء دين بارزين وشخصيات تحظى باحترام كبير لدى شريحة واسعة من المجتمع السعودي، الأمر الذي ربما ينبأ باستمرارية هذه التحركات بوتيرة قابلة للتزايد في مناطق أخرى من المملكة مع التوقع بأن الدعم الالكتروني سيكون له النصيب الأكبر مع قلة في أعداد المشاركين .

الحراك الشيعي في المنطقة الشرقية :

وبالحديث عن المظاهرات في القطيف والاحساء، والتي كان سبب الرئيس لها حالة التمييز الطائفي الممنهج ضد المواطنين الشيعة والمطالبة بالافراج عن تسعة سجناء أمضوا أكثر من سبعة عشر عاما خلف القضبان والتي ابتدأت في القطيف منذ فبراير2011م ولا زالت مستمرة، فيما خرجت في الاحساء مظاهرتان في شهر مارس 2011م تم على إثرها اعتقال ما يقارب من 735 شخصا من القطيف والأحساء منهم 35 طفلا .
وقد تم الافراج عن حوالي 580 معتقل بعد أن أمضى أغلبهم أكثر من أربعة أشهر في مقابل حوالي 155 معتقلا لا يزالون رهن الاعتقال؛ بينهم حوالي 18 طفلا أعمارهم بين الخامسة عشر والسابعة عشر ربيعاً  استناداً إلى احصائيات مركز العدالة لحقوق الانسان بالسعودية . ومن أبرز المعتقلين الحاليين عضو مركز العدالة لحقوق الانسان فاضل المناسف، والصحفيين حبيب المعاتيق وجلال آل جمال، ورجلي الدين توفيق العامر ونمر النمر. 
و بسبب استخدام القوة المفرطة من قبل قوات الأمن سقط أربعة عشر قتيلا كانت معظم اصاباتهم في أماكن قاتلة، و ما لا يقل خمسين شخصا كانت إصابات بعضهم خطيرة .
وبالرغم من أن وزارة الداخلية وعدت بفتح تحقيق في المتسبب بالقتل و بالفعل قامت بعمل تشريح طبي للقتلى إلا أنه منذ سقوط أول قتيل؛ وهو الشاب ناصر المحيشي (19 سنة) في 21 نوفمبر 2011م، وصولاً إلى آخر قتيل؛ وهو الطفل محمد حبيب عبد الله المناسف (16سنة) في 8 يوليو 2012م لم تفصح أو تعلن وزارة الداخلية عن أي نتائج للتحقيق، وهذا ما دفع المتظاهرين لرفع شعار " القصاص القصاص ممن أطلق الرصاص ".

حلول سياسية لا أمنية:

إن سيطرة حالة الجمود السياسي على الوضع في السعودية مع ارتفاع منسوب الوعي عند المواطن، فضلا عن التغيرات الاقليمية التي تجري في العالم العربي؛ من بروز للارادة الشعبية التي انعكست في بلدان مجاورة لم تتعامل الحكومة مع الوضع الجديد بنظرة استباقية للدفع بعجلة الاصلاح السياسي، بل استمرت المعالجات الأمنية التي ثبت فشلها سابقاً واستمرار الوضع الحالي سيشكل خطرا حقيقاً على الاستقرار في السعودية إن لم يتم المسارعة بتجسير العلاقة بين الحاكم والمحكوم بصيغة عقد اجتماعي يكون للمواطن فيه دور فاعلٌ في المشاركة، وأن يتم وضع حلول جذرية للملفات التي تسببت ولا تزال تسبب الاحتقان لدى المواطنين ومن بينها ملفي المعتقلين والتمييز الطائفي اللذين يشكلان عبئا على الدولة نحو التنمية الانسانية للمواطن السعودي وليس الاقتصار على الحلول الاقتصادية التي هي خيارات قصيرة الأجل ومسكنات للأزمة السياسية لا أكثر .